الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | سجل الزوار | اتصل بنا

دعوة للشفافية

 


2008-11-08
عدد القراء: «1079»


ميز العلي القدير البشر بنعمة عظيمة وأفردهم بِها على سائر المخلوقات ألا وهي نعمة التفكير, فهي نعمة لا ينفك عنها إنسان عاقل ولا تخلوا الحياة الإنسانية منها للحظة.
والتفكير السديد المنتج مهارة يكسبها الفرد بالتعلم و التدرب ما يجعله في بحث دائم للحصول على الأفضل والتدبر المستمر المتجدد لِلاهتداء إلى ما يسعده في دينه و دنياه.
قال تعالى: ( كذالك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) البقرة (219).
قال تعالى: ( فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) الأعراف (176).
لابد لنا من الشفافية و الصراحة لوضع النقاط على الحروف لتحديد المشاكل و إيجاد حلول علاجية مباشرة بالتفكر والتعقل والتدبر من منطلق إسلامي وشرعي, يتماشى مع تغيرات العصر ومتطلباته.
فالدين الإسلامي هو الدستور الشامل الوافي الكافي فلا توجد مسألة من مسائل الحياة البشرية إلا و لها قانون يخضع لضوابط و شروط تصلح لكل زمان ومكان.
من هذا المنطلق أوجه دعوة للشفافية لنتخطى جميعاَ مشكلة قديمة جديدة تؤرق أسر كثيرة في مجتمعنا ولاسيما النساء بكافة الشرائح الاجتماعية وجميع المستويات الثقافية.
هذه المشكلة كبيرة لدرجة أنها أرست لنا بالعديد من العقد النفسية كما أسهمت في تمزيق النسيج ألاجتماعي وأثرت مباشرة في التصدع الاقتصادي في مجتمعنا. (سنوضح هذا لاحقاً)، ألا وهي الفهم الخاطئ أحياناً, والبحبوحة و التوسع في ما أحل الله سبحانه و تعالى و تجاهل التحذير والتخويف والوعيد لكل من يتعدى حدود الله, في مسألة تعدد الزوجات سواء كان هذا التعدد بعلم الزوجة المسبق أو المتأخر.
قال تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذالك أدنى ألا تعولوا) النساء (3).
قال تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء و لو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمُعلقةِ و إن تصلحوا و تتقوا فإن الله كان غفوراَ رحيماَ ) النساء (129).
بينت الآيات الكريمة قانون تعدد الزوجات مرفقاً بضوابط و شروط يصعب على الإنسان العادي الالتزام بِها, ثمَ قيد الله سبحانه و تعالى هذا القانون (بالتعجيز) لن تستطيعوا, و,ولو حرصتم, و أرجع المفسرون العدل, للمحبة والميل النفسي, وهنا مكمن التعجيز الإلهي فالزوجة التي تظفر بالميل النفسي (القلب) تتيسر جميع أمورها, أما من تحوز على العدل المادي إن وجد فلن ترضيها كنوز الدنيا فالمرأة الطبيعة لا تتنازل عن الجانب العاطفي, فكيف إن تحرم منه لتفوز به زوجة أخرى.

منذ عشرات العقود أنتشر تعدد الزوجات بشكل كبير جداً في مجتمعنا فكان الرجل يتزوج اثنتين وثلاث وأربع نساء خاصة عندما يكون مقتدر مادياً, إذ توفرت في ذاك الزمان ظروف وأسباب دفعت لتنامي التعدد بحيث لا يستثنى بيت تقريباً.
فالواقع الحتمي للظروف الصحية السيئة جداً, وتفشي الأوبئة القاتلة, و مضاعفات الولادة التي تسبب الوفاة المبكرة للأمهات تاركين أيتام ورضع, وانعدام الرعاية الصحية, والكثير من الظروف الصعبة كانت تبرر و تدفع لذالك, فكان صراع من أجل البقاء على توازن التركيب السكاني والحفاظ على الجنس البشري في نطاق العائلة الواحدة لضمان عدم انقراضها وإحكام السيطرة على أملاكها من أبرز الأهداف المرجوة لتعدد الزوجات.
وعندما انحسرت تلك الظروف, أستحدث الأجداد والآباء أسباب أسهمت في استمرار الوضع والتمادي فيه, حيث أصبح تعدد الزوجات يدل على الوجاهة والرجولة و التباهي, و من النادر أن تتوافر الشروط الشرعية التي بينها القرآن الكريم وأكد عليها في عدد من الآيات الكريمة.
فخلفوا ورائهم ما ذكرنا سابقاً العقد النفسية فهل يوجد فرد في مجتمعنا يعيش العقد السادس أو الخامس لا يعاني نفسياً بسبب زوجة الأب, ولم يتعرض إلى أذى نفسي من جراء ظلم الأب و تفرقته بين أبناءه بحسب ترتيب المنزلة القلبية للأم, وإن سلم من ظلم الأب لم يسلم من جور زوجته, هذا عدا الضغينة و البغض و الخلافات بين الأخوة التي لا تزال قائمة إلى اليوم, وبعض الأحيان يظهر المزيد من الأخوة بعد وفاة الأب فيزداد الطين بلة وبماذا يُفسر التفاوت الاقتصادي في محيط الأسرة الواحدة أذا كان الأب وأحد والإرث واحد, فكثيراً ما يتوفى الأب تاركً رضع وقصر يسلموا إرثهم عند بلوغهم السن الشرعي بعضهم يواصلوا حياتهم بسلام و البعض ليس لديهم أي حكمة في إدارة الأموال بسبب التشويش الفكري نتيجة للظروف القاسية لحياتهم الماضية أو يقعوا فريسة للمتربصين الطامعين وبذالك تبددت ثروات, وأحياناً تبلع أموال الأيتام فينشئوا يتامى ومحتاجين , وحتى لو اقتصر التعدد على زوجتين فالمنافسة شديدة في إنجاب أكبر عدد من الأبناء وذالك لإثبات عدة أمور من قبل الزوجة منها إنها مازالت محتفظة بالزوج, ولضمان أكبر حصة من المصروفات و الإرث في المستقبل, والتباهي بكونها امرأة ولود ....الخ.
كل هذا ولو بحثنا لحصر نسبة من توافرت لهم الشروط الشرعية حينها, كم سنُحصي ؟

مضى الزمان وتلاشت الدوافع والمسببات, فكان ولابد من استحداث أسباب و دوافع تناسب العصر وإيجاد قنوات للمحافظة على التعدد وإحيائه, فكانت الضغوط النفسية والتفكير المشوش والرواسب القاسية والتخبط المؤلم المورث للأبناء أفضل وقود للتكرار الغير مبرر, أما أحدث المبررات هو لابد من تعدد الزوجات من أجل القضاء على العنوسة, حسناً مبرر معقول ويساهم في حل مشكلة, ولكن لماذا لم نلاحظ انخفاض في نسبة العوانس, وكل ما نشاهده الزواج بصغيرات السن, إذا وجد من تزوج ثانية تكبر زوجته الأولى فهي حالة فريدة تثير الشكوك بوجود مطامع, فهل من شهم سعى لخدمة المجتمع فتزوج عانس بلغت الستين أو أقل أو أكثر وحيدة ومعدومة ليستر عليها ويؤمن لها مستلزماتها مسكن ورعاية صحية فقط لوجه الله, أو سعى للزواج من أرملة لديها عدد من الأطفال وهي بحاجة لرعاية صحية وليس لديها معيل مُحرم, كما إن العديد من الزوجات رقم اثنين في وقتنا الحاضر يقع عليهن الطلاق بعد فترة قصيرة لعدة أسباب تتعلق بالرجل أما أنه أكتشف افتقارها لمواصفات جمالية أمِلَ بِهَا أو لم يستطع إحكام السيطرة المادية للبيتين أو لم يستتب الأمن عند الزوجة الأولى أو تعرض لصدمة نفسية لتغير نمط حياته المعتاد ...الخ, المهم إن النتيجة تحطيم زوجتين بدل واحدة. فلا نتجاهل موقف الزوجة الثانية أيضاً, إذ من الصعب عليها أن تبدأ حياتها درجة ثانية, فتقدم على هذا الزواج بعد أن تكون قد استنفذت فرصها الطبيعية التي تحلم بها كل فتاة, فالمثل يقول عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة, وفي هذه الحالة تقول رجل باليد فلا وجود للشجرة. أو لأسباب أخرى تتماشى مع نظرتها المستقبلية, مثل رغبتها في أن تتخطى مصاعب بناء المستقبل مع شاب مبتدئ مشواره طويل جداً, من وجهة نظرها أن تكون زوجة ثانية لرجل مستقر مادياً يلبي طموحاتها صفقة رابحة بلا هم و تعب وانتظار طويل نتائجه في علم الغيب.
متى ينصف المجتمع الزوجة الأولى و لو شفوياً لما وقع ويقع عليها من تحطيم نفسي قد ينتج عنه أمراض خبيثة أثبت العلم الحديث صلة وثيقة بينهما, وأذى جسدي قد ينقله الزوج من زوجة إلى أخرى, والقهر والمهانة ومآسي لا تُحصى يتجرعها الأبناء أضعاف مضاعفة, فما يقع على أمهاتهم يعذبهم وليس بيدهم حيلة إلا تجرع الحسرات, وبعيداً عن المبالغة فقد سطرت لنا تلك الأيام قصص لا يصدقها العقل, ينهمر لسماعها الدمع فكيف بمن عاشها.
ويبلغ الظلم والقسوة لدى بعض الأزواج إنهم على يقين بان الزوجة مكبلة بعاطفة الأمومة التي تضعفها وتحيرها وتضيق عليها بحيث إنها لن تلجئ إلى طلب الطلاق من أجل الحفاظ على أبناءها والتمسك باستقلاليتها في بيتها والخوف مما قد تواجهه من نظرة المجتمع المتخلفة وقسوة الزمن ,وبرغم إن ذالك الزوج يعلم علم اليقين إنها تستمر معه ( ظل راجل و لا ظل حيطة) يقنع نفسه إنها ذائبة في غرامه, وإن المنافسة على حبه على أشدها بين الزوجات !!!

إذاً التفكر في معاني القرآن الكريم وأجب على كل مسلم للتأمل وإثراء عبادته الروحية و تدبر سبل حياته العملية والاجتماعية تحت مظلة الإسلام, كما إن للتفكير الجماعي والتكاتف بين أفراد المجتمع أهمية بالغة لإيجاد حلول للمشكلات العامة, وتنبيه الأفراد و مساعدتهم على تخطي عقبات و مصاعب, قد تكون الكلمة الطيبة الصادقة كفيلة بعلاجها وإرجاع الأمور إلى صوابها.

في مجتمعنا اليوم الرؤية ضبابية والأفكار متلاطمة لدى العديد من النساء حيث إن بعضهن أصبحن غير قادرات على التفكير ولا على مناقشة أزواجهن و مسائلتهم عن أسباب الزواج من أخرى, إذ أن محيطهن أجبرهن على تقبل فكرة زوجة ثانية على إنها تشريع سماوي غير قابل للنقاش وإلا فأنتِ تتخطين حدودك و تحرمي ما أحله الله وبذالك تخرجي عن العقيدة.
هل للزوج الحصول على أكثر من زوجة متى ما شاء؟ وليس مطالب بتقديم أي توضيح؟
ألا يجب المسائلة لتضيق المجال على الذين يقدموا على التعدد بتسرع مع عدم تقدير للنتائج السلبية التي تحط سريعاً على كاهل المجتمع مضيفة المزيد من الثقل.

هنا أقترح على المهتمين هذه الفكرة بهدف معالجة المسألة و احتوائها بطريقة معتدلة و حضارية:
استشارة المسئولين علمائنا الأفاضل في إمكانية تأسيس لجنة مكونة من شيوخ بمعية أخصائيين نفسيين و باحثين اجتماعين من الجنسين, مهمة هذه اللجنة ما يلي:
• إلزام القادم على الزواج الثاني تقديم طلب للجنة مرفق بتوضيح مسبباته و دوافعه.
• تقوم اللجنة بدراسة الطلب بكل تفاصيله بدقة مع الاستقصاء.
• دراسة حالته الأسرية بطريقة محايدة و منصفة.
• تقوم اللجنة بمحاولة الإصلاح في حال وجود خلافات.
• عقد جلسة مصارحة بين الزوجين للتفاهم ولإيضاح جميع الآراء بطريقة حضارية.

في حال إصرار الزوج على موقفه تقوم اللجنة بإيضاح الحقوق الشرعية للزوجة ما لها وما عليها ومساندتها لتخطي الموقف بأقل أضرار ممكنة.

هذه الخطوات تعطي للزوج فسحة كافية لمراجعة حساباته , فقد يكون إقدامه متسرع بسبب وجود خلاف بسيط, أو مشورة صديق, أو مراهقة متأخرة, أو خفة عقل, فلن يتقدم للجنة ما لم تكن لديه دوافع مقنعة ووجيهة تحاشيا ًللإحراج, وإن كانت المشكلة متعلقة بالزوجة فتدخل أطراف محايدة ذات كفاءة مهنية (اللجنة ) سيكون لها تأثير فعال جداً مهما كانت النتائج.

تحياتي برفقة أبلغ الكلمات للأمام علي عليه السلام:
العاقل:

تراه إذا ما طاش ذو الجهل و الصبا=حليماً وقوراً صائن النفس هاديا
له حلم كهلٍ في صرامة حازم=وفي العين إن أبصرت ساهيا
يروق صفاء الماء منه بوجهه=فأصبح منه الماء في الوجه صافيا
و من فضله يرعى ذماماً لجاره=ويحفظ منه العهد إذ ظل راعيا
صبوراً على صرف الليالي و درئها=كتوماً لأسرار الضمير مداريا
له همة تعلو على كل همةٍ=كما علا البدر النجوم الدراريا
 

إضافة تعليق

الاسم
الدولة أو المدينة
البريد الإلكتروني
التعليق

المقالات
حكمة
قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: ‏الأقْرَبـون أَولَـى بالمَعْـروف
تواصل معنا
أضف بريدك الإلكتروني
   

الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | الصوتيات | سجل الزوار | اتصل بنا | شبكة العقاري

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القطيف الثقافية 2013-2014