الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | سجل الزوار | اتصل بنا

جـِرّه.. المدينة الأسطورية المفقودة

 


2007-07-12
عدد القراء: «3633»
عدد التعليقات «1»


خريطة أثرية تظهر فيها القطيفمدينة أسطورية فاحشة الثراء
في السهل الساحلي الممتد من القطيف شمالاً وحتى أقصى جنوب واحة الأحساء جنوباً كانت تقع أخطر وأشهر مدينة عرفها الجزء الشرقي من الجزيرة العربية، وهي المدينة التي أطلق عليها كُـتَّاب الإغريق والرومان اسم (جِرَّه Gerra)، واصطلح الباحثون العرب على تسميتها بـ (الجرهاء)، وهناك من أسماها (الجرعاء) [1] .

وقد اشتهرت (جرّه) بغناها المفرط الذي أضفى عليها صفاتٍ أخّاذة بدءاً بوصول تجارها محملين باللبان والبخور والتمور والمرّ، وغيرها من الكماليات إلى بابل وبترا واليمن، ومروراً بثروتهم التي كانت تضارع ثروة تجار هذه المدن[2] ، بل لقد ذهب بعض المؤرخين الإغريق إلى أنها كانت أغنى الولايات العربية في شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب، وأنّ أهلها كانت لديهم معدات وأدوات كثيرة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة، وأنّ منازلهم كانت باهظة التكاليف مطعّمة أبوابها وأسقفها بالعاج والذهب والفضة[3] إلى غير ذلك من أوصاف أخاذة وصفات تخلب اللبّ والعقل.

وكان لكل هذه الصفات البرّاقة التي يسيل لها لعاب الطامعين للثراء فضلٌ كبيرٌ في أنْ تصبح (جرَّه Gerra) الشغلَ الشاغل لكل من كتب عن تاريخ هذا الجزء الغالي من بلادنا، ولا سيما الباحثون الغربيون الذين شكلت (جرَّه Gerra) لهم لغزاً كبيراً لم يستطيعوا فك طلاسمه حتى الآن على الرغم من الجهود الكبيرة والكثيرة المبذولة منهم لاكتشاف الموضع الذي كانت تقوم عليه، ولكنها كلها باءت بالفشل، وإن كنا لم نعدم بعض الفوائد منها، والتي تفيد في تحديد موضع هذه المدينة العتيدة كما سوف نرى فيما يلي من البحث.

من جهة أخرى فإنّ هذه الشهرة التي بلغتها (جرَّه Gerra) جعلت الكثير من الباحثين المعاصرين يكتب عنها، بل وصل الأمر إلى أنْ تدّعيها أكثر من دولة خليجية أو يقوم بعض الباحثين بكتابة بحوث يثبت فيها -اقتساراً- وجودها في هذه الدولة الخليجية أو تلك حسب الرغبات والميول والأهواء ومراعاة حق المُضِيْف، وليس حسب ما يفرضه البحث العلمي الموضوعي.


أين تقع مدينة (جرَّه Gerra)
لم يردنا تحديدٌ دقيق للموضع الذي كانت تقوم عليه مدينة (جرَّه Gerra) بحيث يقطع الشك باليقين في تحديد المكان الذي كانت تقوم عليه هذه المدينة الهامّة، وقد تضاربت أقوال المؤرخين والجغرافيين الإغريق القدماء في تحديد موضعها، وإن كانوا قد وصفوها ببعض الصفات الطبوغرافية التي سوف تساعدنا ولا شك في التعرف على موضع المكان الذي كانت تقوم عليه هذه المدينة مع تسليمنا بفرضية أنّ هذه المدينة يجب ألا تخرج عن حدود المساحة الممتدة من القطيف شمالاً إلى جنوب واحة الأحساء جنوباً مروراً بالعُقَير.

وفي عصرنا الحديث حدد الباحثون الغربيون مثل شبرنجر وبيبي ونجيل جروم عدة مواضع رشحوها لأن تكون المكان الذي كانت مدينة جرّه تقوم عليه، وهذه المواضع هي:
1. القطيف.
2. الأحساء.
3. العُقير.
4. ثاج.
5. رأس القُرَيَّة [4] .

إلا أنّ بحثاً ميدانياً موثَّقاً قام به د. جيوفري بيبي عن العُقير، ونشره في كتابه القيّم «البحث عن دلمون» أكّد بما لا يدع مجالاً للشك أنّه لا يوجد آثار مدينة ترجع إلى عصر ما قبل الإسلام في ميناء العُقير، وأنّ آثار المدينة الموجودة في هذا الميناء تعود إلى العصور الإسلامية الأولى واللاحقة لها، وبالتالي فقد استبعد تماماً أنْ تكون العُقير هي مدينة جرّه[5] .
القطيف سابقاًوكما استبعدت العقير عن كونها موضع مدينة (جرَّه Gerra) المفقودة، فقد تم استبعاد (ثاج) على الرغم من أنّ مدينتها الأثرية تعود إلى العصور الأولى قبل الميلاد وذلك لأنّ المقاييس والقياسات التي ذكرت لسور مدينة جرّه البالغ خمسة أميال عند بلليني [6] لا تنطبق على سور مدينة ثاج الذي لا يتجاوز الأميال الثلاثة؛ كما أنّ إصرار استرابو وبلليني على وجود (جرَّه Gerra) عند خليج مائي عميق هي صفة أساسية تفتقد إليها مدينة ثاج التي كانت تقع على حافة بحيرة ضحلة أصبحت الآن سبخة ملحية، وفوق كل ذلك، فإنّ ثاج قد ورد اسمها مقرونا مع (جرَّه Gerra) في خريطة بطليموس في الموضع نفسه الذي تقوم عليه ثاج اليوم، وأسماها بطليموس في خريطته (فيجا) [7] ، فهي (فاج) الاسم الأصلي لهذه المدينة على اعتبار أنّ السكان الأصليين في المنطقة لا يستعملون حرف (الثاء) في نطقهم، ويستعيضون عنه بحرف (الفاء)، وهو ما يلاحظ في لغة أهل القطيف الذين يقولون (فلافة وفلافين) بدلاً من (ثلاثة وثلاثين)، ويقولون أيضاً (فاج) حتى اليوم بدلاً من (ثاج).

ولنفس الأسباب التي جعلتنا نستبعد كون ثاج هي (جرَّه Gerra)، فهذه الأسباب أيضاً تجعلنا نستبعد القطيف التي تقع على ساحل البحر مباشرة بعكس (جرَّه Gerra) التي ورد في الأوصاف القديمة الخاصة بها أنها تبعد عن الساحل 200 استاديون، أو 60 ميلاً؛ كما أنّ القطيف هي الخط أو (Chattenia) التي ذكرها المؤرخ بوليبيوس (208-176ق.م)، وقال عنها أنها تقع على الخليج الفارسي، وأنها تُعد المنطقة الثالثة التي تُنسب إلى الجِرَّهيين، وذكر أنّ بها قُرى وأبراج تشير إلى أنهم كانوا يزرعون هذه المنطقة[8] ، كما أن القطيف لا يُعرف عنها أنها تقع على خليج عميق لأنّ خليج القطيف معروفٌ عنه أنه ضحلٌ جدَّاً، وقبل هذا كلّه فإنّ القطيف قد وردت باسمها (قطيف) أو (قطوف) في نصٌّ يمني اكتشف حديثاً، ويرجع تاريخه إلى القرن الثالث بعد الميلاد، وهو المعروف بـ(نص شرف الدين 42) المدوَّن في عهد الملك الحميري شَمِر يَهْرَعَشْ بن ياسر يَهْنَعَم - حكم بين (275 – 300م) تقريباً - وقد جاء في هذا النص أنّ قائدين لهذا الملك قاما بغزو أرض مالك ملك أسد (نجد) فتقدمت نحوها، واتجهت نحو ارض قطوف (القطيف)، حتى بلغت موضع كوكبن (كويكب)، ثم (مُلك فارس وأرض تنخ) أي الأرض التابعة للفرس وارض تنوخ يعني بها هَجَر، وقد دون القائدان هذا النص بعد عودتهما من ذلك الغزو، ولأننا نعرف يقيناً أنّ القطيف كانت معروفة باسمها هذا قبل أنْ ترد في نص شرف الدين42 بزمنٍ طويل لأنّ قائدي شمر لم يكونا ليتجشما كل هذا العناء لو لم يكن مسمى القطيف قد وصل إلى بلاد شمر باعتبارها مدينة متحضرة بها كل وسائل العيش الكريم، وهو ما جعله يأمر قائديه باحتلالها، ولأنّ حكم شمر يهرعش كان في الربع الأخير من القرن الثالث الميلادي، وأنّ مدينة جرَّه قد وردت باسمها هذا في خريطة بطليموس التي رسمها عام 150 للميلاد أي قبل كتابة نص شرف الدين42 بقرن ونيّف، وهي ليست بالمدة الطويلة التي تفصل بين صنع الخريطة وكتابة نص شرف الدين42، ولأننا قلنا أنّ ورود اسم القطيف في نص شرف الدين42 يدل على أنها كانت مشهورة بهذا الاسم قبل هذا النصّ بزمن طويل، فهذا يدلُّ على أنّ جرّه والقطيف كانتا متعاصرتين، وأنّ كلاً منهما كانت معروفة باسمها مما يجعلنا نستبعد أن تكون القطيف هي جرّه.

وأما رأس القرية فإنّ ما جعل الباحثين الغربيين يشكون في أنها قد تكون موضع مدينة (جرَّه Gerra) هو هذا التشابه اللفظي بين كلمتي (جرَّه) و(القُرَيَّه) خصوصاً إذا نُطقت القاف في (القُرَيّة) مثلما ينطق المصريون الجيم، وكذلك اكتشاف بعض المنقبين منهم[9] لنظام ريٍّ ذي قنوات متطورة جداً مما جعل هؤلاء الباحثين يعتقدون أنها مزارع مدينة (جرَّه Gerra) غير أنّهم لم يستطيعوا اكتشاف أي آثار لأي مدينة في رأس القرية باستثناء قنوات الري هذه مما يجعل هذه المنطقة تفقد أهم وأكبر عنصر في تحديد مدينة (جرَّه Gerra) وهو وجود آثار لمدينة يبلغ سورها خمسة أميال تقع على خليج عميق، ولو افترضنا -جدلاً- أنّ رأس القريّة هي موقع مدينة (جرَّه Gerra) لما استقام لنا الأمر لأنّ رأس القرية، وكما هو واضح من اسمه هو عبارة عن رأس برّي داخل في البحر، وأقرب خليج بحري لهذا الموضع هو ما يُعرف في السابق بخليج ظلوم، وحالياً بخليج شاطيء نصف القمر، وهو وإن كان فيه بعض العمق إلا أنه لا يقع مباشرة عند رأس القرية بل إلى الشمال منها بمسافة أربعة أميال تقريباً.

وعلى ذلك فإنه لم يبق لنا الآن من المواضع الخمسة المرشحة لتكون موضعاً لمدينة (جرَّه Gerra) سوى واحة الأحساء، والتي رشحها أكثر من باحث غربي لذلك بجدارة، والذين استبعدوها منهم إنما فعلوا ذلك لأنهم كانوا قد قاموا بمسح جوّي بحثاً عن آثار جدران مدينة قديمة في الصحاري والسواحل مثل ثاج والعُقير ورأس القُرَيّة، فوجدوا فيها آثار مدن كبيرة بعكس واحة الأحساء مما جعلهم يظنون أنّ ما رأوه من آثار تلك المدن هي بقايا أطلال (جرَّه Gerra)، ولم يدر في خلدهم أنّ وجود ملايين النخيل والأحراش في واحة الأحساء، وتعاقب الاستيطان السكاني فيها منذ قديم الزمان وحتى الآن قد ساهم في طمس أطلال مدينة (جرَّه Gerra) التي أضم رأيي إلى رأي كل من قال إنها لا زالت مدفونة تحت أراضي هذه الواحة وبساتينها من الباحثين الغربيين والعرب، وإن كنت أجزم – عكسهم – برأيي أنّ مدينة (جرَّه Gerra) هي مدينة هجر ذات الشهرة المدوية في تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده، والتي أرى جازماً أنها كانت تقع بالقرب من الجبل الشهير الآن باسم جبل القارة، وقديماً باسم جبل الشبعان، وبتحديد أكثر أقول أنها كانت تقع في الركن الشمالي الغربي من هذا الجبل على دكة صخرية مستطيلة تقع للغرب من بوابة مغارة عجيبة الشكل والتكوين تعرف بمغارة العيد لا يشك كل من شاهدها أنَّ يد الإنسان قد لعبت دوراً كبيراً في تهذيبها وتهيئتها لتكون أشبه بمجلس الحكم الذي يجلس فيه الحاكم، ويستبقل أفراد رعيته فيه، ويصرّف أمور دولته منه.

والذي جعلني أهتدي إلى اكتشاف موقع مدينة هجر قرب جبل الشبعان (القارة) هو نصَّان متباعدان في الزمن ومتفقان على الحدث أولهما هو نصّ المسعودي الذي أورده في كتابه التنبيه والإشراف[10] حيث جاء فيه عن فتح أبي سعيد الجنابي لمدن إقليم البحرين وقراه، فقال بعد ذكره لفتح لقطيف والزارة وصفوان[11] والظهران والأحساء وجواثى في العام 286هـ ما هذا انصّه:

«وهجر وكانت أعظم مدن البحرين[12] ، وكان بها عياش المحاربي، وكان أعظمهم عدة، وأشدهم شوكة».

والنصّ الثاني هو لشارح ديوان ابن المقرَّب، وهو نصٌّ يتحدث عن نفس الحدث أي فتح أبي سعيد الجنابي لمدن البحرين، فعند قول ابن المقرَّب مخاطباً قومه:

إنّي لأخشى أن تلاقوا مثلما=لاقى بنو العَيَّاش والعُريَانِ
كرهوا الجلاء عن الديار فأهلكوا=بالسيف عن عرَضٍ وبالنيران

علّق الشارح قائلا:
«ويعني بالعَيَّاش عَيّاش بن سعيد رئيس بني محارب، وكان منزله بالجبل المعروف بالشّبعان من جبال هجر، وهو في وسطها تحفُّ به أنهارها وبساتينها»[13] .

ثم ذكر فتح أبي سعيد لمدينة هجر، وحرقه لبعض بني عبد القيس من سكانها، فهذان النصّان كما نرى ذكرا حدثاً واحداً هو فتح مدينة هجر من قبل أبي سعيد الجنابي، وذكرا زعيماً واحداً لهذه المدينة هو عياش بن سعيد المحاربي، فذكر المسعودي أنّ عياشاً هذا كان متحصناً فيها عند محاصرة أبي سعيد له ولقومه في هذه المدينة، ويأتي شارح الديوان المقرَّبي ليضيف لنا فائدة عظيمة، فيوضّح أنّ عياش المحاربي كان يسكن الجبل المعروف بالشبعان من جبال هجر، وأنّ منزل العياش كان في وسط مدينة هجر تحفُّ به أنهارها وبساتينها، ومن مقارنة هذين النصّين نخلص إلى نتيجة لا تقبل القسمة على اثنين، وهي أنّ مدينة هجر كانت تقع بالقرب من جبل الشبعان المعروف الآن باسم جبل القارة الكبير.

وقبل الخوض في إثبات ما أنا بصدده من كون مدينة (جرَّه Gerra) هي مدينة هجر أود أن أوضح أنّني لست أول من قال بذلك، فقد سبق إلى ذلك الباحث الغربي نجيل جروم في بحثه الممتع عن هذه المدينة المفقودة الذي سبق وأشرنا إليه، وكذلك الشيخ محمد بن عبد القادر الأنصاري في كتابه تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء القديم والجديد[14] إلا أنّ الشيخ قد أخطأ -في نظري- عندما قال أنها تقع شمال غرب جواثى[15] ؛ كما كتب الباحث الشيخ عبد الرحمن الملا عن (جرَّه Gerra) في كتابه تاريخ هجر[16] واعتمد فيه كثيراً على بحث نجيل جروم، ويستشف منه أنه يرجح كون (جرَّه Gerra) هي مدينة هجر، وإن كان الشيخ الملا لم يجزم جزماً قاطعاً بذلك بدليل ذكره بقية الافتراضات الأخرى التي ذكرها جروم لموضع هذه المدينة، كما أن الشيخ الملا لم يتعرض لمدى مطابقة أوصاف (جرَّه Gerra) لمدينة هجر لأنه لم يكن يعرف بالتحديد موضع مدينة هجر التي تنطبق عليها جميع تلك الأوصاف.

أما الباحثون العرب الآخرون، فإنّ أغلبهم كان ناقلاً لما كتبه الغربيون حول مدينة جرّه التي قلنا أنهم عربوها فأطلقوا عليها اسم الجرهاء أو الجرعاء، وبالتالي فقد تراوحت آراؤهم في ترشيح موقع هذه المدينة المفقودة بين الأماكن الأربعة التي ذكرنا قبل قليل ترشيح العلماء الغربيين لها، وهي العقير، ثاج، القطيف، والأحساء.

صورة من الفضاء للقطيفغير أنّ أعجب ما قرأته في تحديد موضع الجرهاء هو ما جاء في البحث الذي كتبه الدكتور توفيق فهد بعنوان (قطر ونواحيها في الجغرافية القديمة: جِرَّه والخط) والذي قدمه في مؤتمر دراسات تاريخ شرق الجزيرة العربية الذي انعقد في دولة قطر في 21 -28 مارس 1977م، وأصدرته لجنة تدوين تاريخ قطر في العام نفسه، وأوّل خلل يتضح لنا في هذا البحث هو عنوانه حيث يخيل للقارىء أنّ جرَّه والخط هما من نواحي قطر بمجرَّد قراءته لهذا العنوان الفضفاض مع أنّ واقع الحال يقول أنّ قطر بكاملها هي التي كانت تابعة لمملكة جَرَّه والخط أو إقليم البحرين بشكل عام[17] .

ولأنّ المؤتمر منعقدٌ في دولة قطر المشهورة بكرم الضيافة، فيبدو أنّ هذا الدكتور أحب أن يكافىء مضيفه، وذلك بأنْ يقدم للدولة الحاضنة للمؤتمر هديةً من العيار الثقيل، فلم يجد أغلى من أنْ يقدم لها (جرَّه Gerra) مدينة الذهب على طبق من ذهب، وأنْ يجعلها في الأراضي القطرية شاء من شاء وأبى من أبى، وللتدليل على رأيه الغريب الذي انفرد به، فإنه راح يطالع الخرائط الموضوعة لدولة قطر، والمكتوبة باللغة الإنجليزية!! إلى أنْ وقع نظره على موقع يقع بقرب قرن أبي وائل في قطر، ويحمل اسم (امات جرّه) -حسب قراءته هو- فكأنه اكتشف الحلقة المفقودة في معرفة موضع هذه المدينة، وراح يكتب لنا أوصافاً فردوسية لهذا الموضع من رياض فسيحة، ومياه وافرة، ونخيل مزهرة وأشجار ناضرة فيه وفي مواضع أخرى ادعى الدكتور أنها تقع بجانبه مثل السكك، وروضة الفرس وروضة كظيم التي وصفها جميعاً بالغنى الزراعي[18] ، والمصيبة أنّ الدكتور لم يرَ هذه المواضع كما اعترف بنفسه، ولم يشاهدها[19] وإنما رآها في الخريطة الإنجليزية نفسها التي رأى فيها (امات الجرّه)، فأسبغ عليها من خياله الواسع هذه الأوصاف، ولو شاهدها بأمّ عينه وليس بـ (أمّ جرّه) لوجدها في واقع الأمر مواضع برية فقيرة جدّاً من الزرع والضرع، ومن أي دلالات على سكن الحيوانات فيها فضلاً عن الإنسان؛ والذي لم يعرفه الدكتور الكبير أنّه قد أخطأ -بسبب اعتماده على الخرائط المكتوبة بالإنجليزية- في قراءة اسم هذا الموضع، ولو أنّ الدكتور رجع إلى الخرائط التي وضعتها دولة قطر نفسها لبلادها لوجد أنّ الموضع الذي أراده أنْ يكون (جِرَّه)، والذي أسماه بـ (امات الجرّه) ما هو إلا (أمُّ الجَـرَّة) بإضافة لفظة الأم إلى الجرّة والتي يراد بها الإناء الفخاري الذي يحفظ فيه الماء لا غير، وهو موضع قَطَريٌّ برّي يقع في سبخة مالحة لا زرع فيها ولا نبت في مكان صحراوي تكثر فيه المسميات المضاف إليها لفظة (أمّ) مثل (أمّ الزَّبَد) و(أمّ الجُمَيْليّة)، و(أمّ جُويد) و(أمّ جَوْلَق)، و(أمّ الجَمَاجِم)، ثم إنْ تعجب فعجيبٌ ما صنع الدكتور عندما أخبرنا في بحثه أنّ روضة الفرس قريبة من قرن أبي وائل، و«يا بعد يبرين من باب الفراديس» مع الاعتذار لشاعر العربية المبدع جرير بن الخطفى[20] .

وأفظع من ذلك كله هو ادعاء الدكتور توفيق فهد أنّ الطبري قد ذكر الجرّه والخط في تاريخه حسب زعمه[21] ، وبالرجوع إلى تاريخ الطبري في الموضع الذي أحال إليه الدكتور نجد الطبري يذكر (الخط) و(أردشير خرّة) وهي من أقاليم فارس المعروفة[22] ، فوهم الدكتور في قراءتها فحرف خرّة إلى جرّه وحذف كلمة أردشير، وهكذا ينضم الدكتور الباحث إلى زمرة الباحثين الذين يُقَعِّدُون النصوص على أهوائهم وليس العكس حسبما تفرضه أصول البحث العلمي.

وملخص القول، فإنّ الدكتور توفيق فهد قد وهم كما وهم الكثير غيره من الباحثين في تحديدهم لجرّه خارج نطاق واحة الأحساء، وسنرى فيما يأتي من البحث أنّ (جرّه) ما هي إلا مدينة (هجر) المشهورة في تاريخ العرب شهرة لا تقل عن شهرة جرَّه عند كتاب الإغريق، وأنّ كل الصفات التي أسبغت على الجرهاء هي صفات مدينة هجر بعينها.


الاسم الصحيح للمدينة المفقودة
نظراً لأنّ جلّ مصادرنا عن هذه المدينة المفقودة مأخوذةٌ عما كتبه المؤرخون الإغريق والرومان، والذين أخذوا -بدورهم- معلوماتهم عنها عن البحارة الإغريق الذين أرسلوا إلى تلك المنطقة أو عن تجار هذه المدينة نفسها[23] فإن احتمال وقوع التحريف والتصحيف واردٌ في السماع من قِبَلِ مَنْ دَوَّن اسم (جرَّه Gerra) سواء من البحارة الإغريق الذين أخذ عنهم المؤرخون الإغريق والرومان، أو من قبل هؤلاء المؤرخين أنفسهم، أو من قبل من نقل عنهم على اعتبار أنّ معظم كتبهم الأصلية لم تصل إلينا إلا بعد نسخها أكثر من مرّة، وما أكثر التحريف في النَّسْخ؛ كما أودّ لفت الانتباه إلى أنّ اللسانين الإغريقي والروماني لا ينطقان بعض الحروف العربية مثل (الخاء)، و(العين)، فمثلاً (خطّ) يكتبونها (Khatt)، أو (Chatt) و(عَراد) يكتبونها (Arad)، وهو أمرٌ آخر زاد الطين بلّة في تحرُّف بعض الأسماء القديمة المعروفة في هذه المنطقة، والمضحك في الأمر هو ما صرنا نراه مكتوباً كمسمى لبعض المحلات التجارية في المنطقة مثل محلات (Cateus) و(Aradus) [24] ، وهما اسمان حرَّفهما كتاب الإغريق عن (الخطّ) الإقليم المعروف، و(عراد) الجزيرة المعروفة حتى الآن من جزر البحرين (أوال)، فبدلاً من أنْ تُكتب هذه المحلات باسم (الخط) و(عراد) الاسمين الصحيحين كُتبت باسميهما الذين حرفهما كتاب الإغريق (Cateus) و(Aradus)، وكل ذلك تمشياً مع صرعة التحضر الزائف.

وقبل الخوض في البحث عن موضع (جرَّهGerra) أود أن أتوقف قليلاً حول صحة الاسم الملفوظ لها، والذي سبب عواراً للباحثين العرب بحيث لم يتوصلوا إلى تسمية موحدة لهذه المدينة بعكس كتاب الإغريق الذين أجمعوا على أنّ اسمها هو (Gerra) في حين تفاوتت ترجمات الاسم عند الباحثين العرب لتأخذ الأشكال التالية (جرَّه)، (جرهاء)، (جرعاء)، (قاره) [25] ، وتشاء الصدف أنّ كل هذه الأشكال باستثناء (جرهاء) يوجد لها نظائر في مسميات المواضع الجغرافية الواقعة في واحة الأحساء، فالجَرّة اسم يطلق على مغارة في جبل راس القارة (المشقر) [26] الواقع في وسط قرية القارة، وهي أكبر مغارات هذا الجبل ولها بابان أحدهما للغرب والآخر للشمال، والجرعاء يوجد أكثر من موضع في واحة الأحساء يحمل الاسم نفسه أشهرها الموضع الواقع غرب نخل الشراع وشمال عين الحارة، وهو سوق بني تميم في الأحساء القديمة الذي تحدث عنه الشيخ حمد الجاسر - رحمه الله - في المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية دون أن يحدد موضعه المشار إليه، وقد رجّح كونه الجرهاء المعنية بالبحث هنا مع أنه لم يَسْبق إلى ذلك، بل سبقه إليه المرحوم الأستاذ محمد سعيد المسلم في كتابه ساحل الذهب الأسود[27] ، وأما القارة التي ألمح بعض الباحثين المستشرقين إلى أنها قد تكون هي الجرهاء، فهي قرية أحسائية معروفة سبق وقلنا أن جبل رأس القارة يقع وسطها، كما أنّ قارة تطلق أيضاً على موضع في جهة ميناء العقير يعرف بقارة الثمان، وعليه فإنّ وجود هذه المواضع بهذه المسميات المشابهة للترجمة العربية لكلمة (Gerra) اللاتينية ساهم في زيادة الربكة التي وقع فيها الكتاب العرب وغيرهم في تحديدهم لموضع هذه المدينة العتيدة.

وأما نحن فإننا لن نعوّل كثيراً على أيٍّ من هذه المسميات سواء ذلك الاسم الذي اتفق عليه كتاب الإغريق (Gerra) أو المسميات (جرَّه)، (جرهاء)، (جرعاء)، (قاره) التي اختلف الكتاب العرب في أيها هو الاسم الصحيح لهذه المدينة الأسطورية لأننا لو تركنا العنان لمخيلتنا لوجدنا في واحة الأحساء الكثير من المسميات القريبة من هذا الاسم (Gerra) مثل (جرّه)، و(جرعا)، و(جَيَّار)، و(قارَه)، وبالتالي فإننا سوف نركز بحثنا حول مدينة تقوم على خليج عميق، ويبلغ محيطها خمسة أميال، وتحيط بها أراضٍ سبخة، ولا بأس أنْ يكون اسمها مقارباً في اللفظ لهذا الاسم الإغريقي (Gerra)، وعليه فإنّ جل ما سوف نعتمد عليه في تحديد هذه المدينة هو بعض الأوصاف الطبوغرافية المقتضبة والوحيدة التي ذكرها كلاً من الجغرافيين (استرابو)، و(بلليني)، وكذلك على مصورات خريطة بطليموس الذي كتب اسم (Gerra) على خريطته للجزيرة العربية عام 150م في موضعين الأول كمدينة أو ميناء، والثاني كمنطقة، ويقعان كلاهما إلى الجنوب من (فيجا) أو ثاج قريباً من منتصف الساحل الغربي للخليج الفارسي.

وإذا كان (بطليموس) قد صنع خريطته هذه في العام 150 للميلاد كما سبق وقلنا، فهذا يعني أنّ جرّه (Gerra) كانت لا زالت محافظة على شهرتها حتى ذلك العام، ولكن المؤرخين العرب يروون خبراً عن وفود عدّة قبائل وبطون عربية من داخل الجزيرة العربية إلى إقليم البحرين مشكلين فيه الحلف العربي الشهير الذي عُرف فيما بعد باسم (تنوخ)، والذي يرى كوسين دي برسفال أنه تم في عام 190م[28] أي بعد وضع بطليموس لخريطته بـ40 عاماً، ويؤكد المؤرخون العرب أنّ هذا الحلف التنوخي قد قام في مدينة هجر، وأنّه قد أجلى النبطيين سكانها الأوائل عنها[29] ويزيد ابن دريد، فيذكر أنهم تنخوا بعين هجر وتحالفوا عندها[30] مما يعني أنّ هجر كانت مدينة قائمة ومشهورة في تلك الحقبة أيضاً، وقد أثبتُّ في كتابي (هجر وقصباتها الثلاث) أنّ عين هجر هي ما يُعرف الآن باسم عين الخسيف الواقعة في جبل رأس القارة (المشقر)، والواقع هو الآخر في القارة من الأحساء، وأثبت في الكتاب المذكور أيضاً أنّ هجر كانت تقع ملاصقة لجبل الشبعان المعروف الآن باسم جبل القارة؛ قريبةً جداً من عينها بحيث لا تتعدى المسافة بين مدينة هجر والعين 500 متر فقط، ولأنّ بعض الباحثين المستشرقين يرى أنّ الجرهيين ينحدرون من أصل كلداني من بابل، وأنهم قد قُضي عليهم بواسطة الحلف التنوخي الذي تقدم القول قبل قليل أنهم أجلوا النبط سكان هجر عنها عند احتلالهم لها، فإنّ كلّ هذه المؤشرات تدلُّ على شيءٍ واحد هو أنّ جرّه مدينة الجرهائيين قد سقطت بيد هؤلاء التنوخيين، ولأنّ المؤرخين العرب يجمعون على أنّ التنوخيين هؤلاء قد تنخوا بهجر، فإنّ من نافلة القول أنّ جَرّه ما هي إلا هجر نفسها، وفيما يلي مزيدٌ من التفصيل.

إنّ القول أنّ جرّه كانت مستعمرة من قبل كلدانيين من بابل[31] يجعلنا نعيد النظر في الرواية التي مرّت بنا قبل قليل عن كتاب الأغاني عندما ذكر فيها أنّ التنوخيين عندما نزلوا هجر وجدوا بها قوماً من النبط، فأجلوهم عنها، ونحن نعرف أنّ النبط كانت مساكنهم العراق، فهل النبط هؤلاء هم من الكلدانيين الذين استعمروا جرّه؟ وبمعنى آخر هل أنّ هؤلاء النبط الذين أجلاهم التنوخيون عام 190 للميلاد من هجر هم بقايا الكلدانيين سكان جرّه؟، فإنْ كانت الإجابة نعم فهي تعني أنّ هجر التي نفى الحلف التنوخي النبطَ عنها هي جرّه المذكورة في كتب الإغريق لا شك..


ومما يدل على هذا الاستنتاج عدّة أمورٌ منها:
• أولاً: تعاصر المدينتين وارتداء كلاً منهما معطف الشهرة والتجارة والغنى يرجح كونهما مدينة واحدة خصوصاً وأنّ أحدث نصّ إغريقي ورد فيه اسم جرّه هو خريطة بطليموس التي وضعها عام 150 للميلاد، وأقدم نص عربي يرد فيه اسم هجر هو نص الحلف التنوخي الذي وقع عام 190 للميلاد بهجر، ولكون المدينتين (جرّه) و(هجر) على قدر ٍ متواز ٍ من الشهرة لدى كتاب الإغريق بالنسبة لـ(جرّه)، ولدى كتاب العرب بالنسبة لـ(هجر)، ولاشتهار أهالي جرَّه عند الإغريق بالتجارة حيث ذكر بلليني نقلاً عن ملك موريتانيا الجغرافي جوبا (50ق.م - 19ب.م) قوله: «فتح التجار العرب بتجارتهم هذه مدينة قارة (carra) التي هي بمثابة سوق المدينة بالنسبة لهذه الأجزاء».، وكذلك الحال في اشتهار أهالي هجر عند العرب بالتجارة أيضاً واشتهار سوقها سوق المشقر بأنها أحد أهم أسواق العرب قبل الإسلام، فكل ذلك يؤكد اتحاد المسميين (جرّه) و(هجر) في مدينة واحدة هي هجر.

وإذا عرفنا أنّ ما بين النصّين المتقدمين الذين ذُكر فيهما هاتان المدينتان هو أربعين عاماً فقط، فهذا يزيدنا تأكيداً على أنّ المسميين هما بالفعل لمدينة واحدة لأننا لا نستطيع أن نغفل مكانة هجر وشهرتها، ولا أنْ نتصور إهمالها من قبل كتاب الإغريق الذين كتبوا عن هذه المنطقة في عصرٍ كانت فيه هجر في أوج عظمتها وشهرتها، والذين دونوا أسماء كثيرة في الجزء الشرقي من الجزيرة العربية لا زالت باقية حتى الآن مثل فيجا (ثاج)، وأرادوس (عراد)، وثاروة (تاروت)، فهل يعقل أنهم لم يكتبوا اسم مدينة هجر وهي كانت آنذاك أشهر مدن المنطقة ازدهاراً وتجارةً، بل الصحيح الذي أراه أنهم دونوا هذا الاسم في كتبهم وخرائطهم، ولكن لأنّ لسانهم أعجمي، فيبدوا أنهم حرفوا اسم هجر إلى جرّه، أو قلبوه عنها كما سنذكر بعد قليل.

• ثانياً: فيما لو افترضنا أنّ الاسم الأصلي لهجر هو جَرّه كما كتبه الإغريق فإنّ ذلك لا يعني أنه لمدينة غير هجر لأنّ التشابه اللفظي بين كلمتي (Gerra أو جرّه) و(هجر) هو تشابه واضح، ومن المشهور في لغة العرب القلب بين حروف المصادر، ففي لسان العرب أنّ (القلزم) مقلوبٌ عن (الزُّلقم) أي البحر، و(الجاه) مقلوب عن (الوجه)، وهما بمعنى واحد، وكذلك (الذوباج) مقلوب عن (الجوذاب)، وكلاهما يعني الطعام المشرح، و(قهرمان) مقلوبٌ عن (قرهمان)، و(الذبح) مقلوبٌ عن (البَذح)، وكلاهما يعني الشَّقّ.. وهكذا دواليك، فلا غرابة إذاً لو أنّ مؤسسي مدينة جرَّه المنفيين من بابل قد يكونون سمّوا مدينتهم الجديدة باسم (جرَّه)، وأنها بقيت معروفة بهذا الاسم إلى أنْ بدأ العرب في التوافد عليها، ثم بمرور الوقت أصبحوا جلّ أهلها، ولعلّ لسانهم العربي لم يستسغ أنْ ينطق اسم المدينة (جـِرَّه) فقلبوا جـِرَّه إلى هَجَر فإنّ ذلك كان مشهوراً عندهم ولا سيما السواحليين منهم مثل سكان إقليم البحرين، وسكان عُمان الذين كانت بلدهم عمان تعرف بمَجَان، وهو الاسم الذي ورد في كتب الإغريق، فقلبوها إلى مزون[32] .

• ثالثاً: تشابه الوصف الطبوغرافي لـ (جرّه) مع الوصف الطبوغرافي لـ (هجر)، وأفضل وصف لجرّه وصل إلينا هو وصف اثنين من الجغرافيين الإغريق هما استرابو (63ق.م - 24ب.م) وبلليني (23-79) للميلاد.


أما وصف استرابو لجرّه، فهو كما يلي:
«يستطيع الإنسان أن يصل إلى (جرّه) بعد مسيرة 2400 ستيديا (? 250 ميلاً) [33] ، على طول ساحل الجزيرة العربية حيث تقع هذه المدينة على خليج عميق، ويسكنها الكلدانيون، وكذلك المنفيون من بابل، وبأرض هذه المدينة أملاح كما يعيش الناس في منازل مشيدة من الملح؛ الأمر الذي يعرّض ألواح الملح للذوبان نتيجة لاستمرار الحرارة المحرقة لأشعة الشمس، وبالتالي سقوط هذه المنازل، ويعمد الناس إلى رش المنازل بالماء لتظل الجدران متماسكة، وتبعد المدينة 200 ستيديا (?60 ميلاً) عن ساحل البحر، وكانت تحركات الجرهائيين بطريق البرّ في معظم الأجزاء، وذلك أثناء اشتغالهم بتجارة العطور، وهذا على عكس ما يقوله أرسطو بولوس من أنّ الجرهائيين كانوا ينقلون معظم بضائعهم على رموث خشبية حتى بابل، ثم يبحرون باتجاه مصبّ الفرات حيث يحملونها بطريق البر إلى كلّ أنحاء القطر»[34] .


أما بلليني فقد قال في وصف (جرَّه):
«إنّ خليج جرّه والمدينة بهذا الاسم ليمتد محيطها 5 أميال، وتضم أبراجاً مربعة من كتل الملح، وتوجد منطقة أتني (Attene) على بعد 50 ميلاً من الساحل، وفي الجهة المقابلة لها، وعلى نفس البعد من الساحل توجد جزيرة تايروس (Tyros) الشهيرة بلألئها المتعددة»[35] .

ومن وصف هذين الجغرافيين الشهيرين لجرّه نستطيع أنْ نستخلص الأوصاف الطبوغرافية العامة لهذه المدينة كما يلي:
1. تقع مدينة جرّه إلى الجنوب من جزيرة إيكاروس (فيلكا) بـ250 ميلاً تقريباً على طول الساحل الغربي للخليج الفارسي.
2. تقع هذه المدينة على خليج عميق.
3. يبلغ محيط المدينة 5 أميال، وتضم أبراجاً مربعة من كتل الملح.
4. منازل هذه المدينة مشيدة من الملح.
5. يوجد بأرض هذه المدينة أملاح.
6. تبعد المدينة 60 ميلاً عن ساحل البحر.
7. توجد منطقة أتني «Attene» إلى الداخل على بعد 50 ميلاً من الساحل، وفي الجهة المقابلة لها، وعلى نفس البعد من الساحل توجد جزيرة تايروس «Tyros» الشهيرة بلألئها المتعددة».

وسوف نرى أنّ هذه المواصفات السبعة تنطبق انطباقاً تامّاً على المكان الذي كانت تقوم فيه مدينة هجر، ولكن قبل الخوض في التفاصيل أود أنْ أدلي ببعض الملاحظات حتى يتسنى للقارىء استيعاب ما أود تفصيله هنا، وهي كالآتي:

• يجب أنْ يلتفت القارىء إلى أنّ مقياس الميل المستخدم في كتب الإغريق القدماء يزيد قليلاً عن الميل الإنجليزي المستخدم في وقتنا هذا، وبالتالي فإنّ قول بلليني إنّ منطقة منطقة أتني «Attene» تقع على بعد 50 ميلاً عن ساحل البحر، فإنها حسب الميل الإنجليزي تكون 46 ميلاً[36] .

• أكاد أجزم أنّه قد وقع تحريف في المسافة التي حددها استرابو بين جزيرة فيلكا وجرَّه، وهي (2400) ستيديا، وأرى صحة الرقم هو (3400) ستيديا أي (350) ميلاً، وتحرّف الرقم (3) إلى (2) أمرٌ يكثر حدوثه في اللغة اللاتينية.

• إنّ منطقة أتني «Attene» الواردة في نصّ بلليني على أنها تبعد عن الساحل بـ50 ميلاً ليست واحة الأحساء كما قال بعض المستشرقين[37] ، بل هي واحة العُيون الواقعة إلى الشمال من الأحساء كما سنرى لاحقاً.

والآن بعد ذكر هذه الإيضاحات سوف نعود إلى الأوصاف التي ذكرها كلاً من استرابو وبلليني لمدينة الجرهاء، وسنرى مدى انطباقها على الموقع الذي كانت تقوم عليه مدينة هجر وقصباتها الثلاث المشقر والصفا والشبعان كما أثبتُّ في كتابي عنها، وذكرت فيه أنّ مدينة هجر كانت ملاصقة للجبل الشهير المعروف قديماً باسم الشبعان، وحديثا باسم جبل القارة ذي الكهوف الكبيرة الباردة، وقد أثبت في الكتاب نفسه أنّ مدينة هجر كانت تقع عند الركن الشمالي الغربي من هذا الجبل، وأنّ بقايا آثارها لا زالت تشاهد حتى الآن بالقرب من مغارةٍ كبيرة وعجيبة تُعرف باسم مغارة العيد والمكان المعروف إلى الآن باسم الكوارج.

وإنّ أوّل صفة تقابلنا لجرَّه لدى استرابو هي أنها تقع إلى الجنوب من جزيرة إيكاروس (فيلكا) بـ2400 ستيديا أي 250 ميلاً تقريباً على طول الساحل الغربي للخليج الفارسي، وقد ذكرت أنني أرى أنه قد وقع تحريف في هذا الرقم، وأنّ الرقم الصحيح هو 3400 ستيديا أي ما يعادل 350 ميلاً، وهذه المسافة هي بالضبط المسافة الحقيقية المقدّرة للخط الساحلي من جزيرة فيلكا في شمال الخليج إلى أن نصل إلى جبل القارة حيث كانت تقوم مدينة هجر مروراً بميناء العُقير.

أما الصفة الثانية، وهو مما اتفقا عليه، فهو قولهما إنّ جرَّه تقع على خليج عميق، وقد ذهب ظنُّ كلّ من قرأ نصّ هذين الجغرافيين إلى أنّ المقصود بالخليج العميق خليجٌ بحريٌّ مالح، ولم يدر بخلد أحدٍ من الكتّاب أنّ هذا الخليج يمكن أن يكون خليجاً متكوناً من مياه عذبة تتدفق من عيون عُرفت بها المنطقة مثل عين هجر وعين الخدود وعين محلم، وهي أشهرهن على الإطلاق، وقد بينت في كتابي المذكور أيضاً أنّ عين نهر محلم هي العين المعروفة الآن باسم عين الحارّة الواقعة شمال مدينة المبرّز القديمة، والتي كان نهرها محلم يتكفل بسقي معظم البساتين الواقعة في طريقه إلى أنْ يصل قرب مدينة هجر، ويمرُّ بين حصنيها المشقر والصفا[38] ، قبل أن يتوجه ليصب في البحر، بالغاً من الحجم والطول وكثرة التفرعات ما جعَلَه يُشَبَّه في بلاد العرب بنهر بلخ في بلاد العجم[39] ، وأنْ يكون أشهر وأضخم نهرٍ في الجزيرة العربية قاطبةً، وعلى مرّ العصور والأزمان بحيث لم يماثله نهر آخر فيها[40] .

ولشدة تدفق العين التي تمد هذا النهر، فقد حفر لنفسه مجرىً عميقاً أخذ يتفرع إلى عدّة أنهار أخرى تحمل مسميات ذكرها الجغرافيون العرب مثل نهر الصَّفا – الذي سُمّي بذلك لسقيه بساتين مدينة الصفا الواقعة للشمال الشرقي من مدينة هجر، والتي كانت تقع بالقرب من الجبل المعروف الآن باسم أبي الحصيص – ونهر السريّ، وهما نهران قال عنهما الأزهري في تهذيب اللغة: الصَفا والسرِيّ: نهران يتخلَّجان من نهر محلِّم الذي بالبحرين يَسْقِي قرى هَجَر كلها[41] .

وقد كان لعمق بعض أنهار محلم وروافده أنْ أطلق على بعضها اسم الخليج، وفي لسان العرب: الـخـلِـيجُ: نهر يُقتطع من النهر الأَعظم إِلـى موضع ينتفع به فـيه[42] . وقد ورد مسمى الخليج في أكثر من نصٍّ من نصوص العرب، فمنها مما هو مختص بهذه المنطقة ونهرها محلم ما قاله لبيد بن ربيعة العامري من قطعة وصف فيها جبل الشبعان الشهير في الأحساء، ووصفه بعلامته الفارقة (بارد الصيف)، كما وصف النخل الذي يقع بقربه، فقال[43] :


أوْ (بَاْردُ الصَّيْفِ) مَسْجُوْرٌ مَزَاْرعُهُ=سُوْدُ الذَّوَاْئِبِ مِمَّاْ مُتِّعَتْ هَجَرُ [44]
جُعْلٌ قِصَاْرٌ وَعِيْدَاْنٌ يَنُوْءُ بهِ=مِنَ الكَوَاْفِرِ مَكْمُوْمٌ وَمُهْتَصَرُ[45]
يَشْرَبْنَ رفْهَاً عِرَاْكَاً غَيْرَ صَاْدِرَةٍ=فَكُلُّهَاْ كَاْرعٌ فيْ المَاْءِ مُغْتَمَرُ[46]
بَيْنَ (الصَّفَاْ) وَخَلِيْجِ (العَيْنِ) سَاْكِنَةٌ=غُلْبٌ سَوَاْجِدُ لَمْ يَدْخُلْ بهَاْ الحَصَرُ

وواضح من البيت الأخير أنّ لبيد سَمّى نهر العين (عين محلم) بخليج العين، وقد كرر لبيد تسمية هذا النهر بالخليج، وذلك في قوله:

نَخْلٌ كَوَاْرعُ فيْ خَلِيْجِ (مُحَلِّمٍ)=حَمَلَتْ، فَمِنْهَاْ مُوْقَرٌ مَكْمُوْمُ

وليس لبيد وحده من أطلق على هذا النهر مسمى الخليج، فقد فعل ذلك أيضاً الشاعر العباسي عبد الله بن السمط الحفصي، ولكنه جعل لنهر محلم خليجين وليس خليجاً واحداً، فقال[47] :

سَقَيْتُ المَطَاْيَاْ مَاْءَ دِجْلَةَ بَعْدَمَا=شَرِبْنَ بفَيْضٍ مِنْ خَلِيْجَيْ (مُحَلِّمِ)

فهذا كله يؤكد لنا أنّ مصطلح (خليج) كان معروفاً لدى العرب، ويطلق على بعض الأنهار المتفرعة من النهر الأعظم كما مرّ بنا قبل قليل، وبالتالي فإنّ قول استرابو وبلليني - اللذين يرى بعض الباحثين المستشرقين أنهما استقيا معلوماتهما عن جرّه من بحارة وتجّار هذه المدينة - أنّ جرَّه كانت تقع على خليج عميق، فإنهما إنما أرادا خليجاً من الماء العذب كان يتدفق من إحدى عيون المنطقة الشهيرة، ولم يكن المقصود بذلك خليجاً بحرياً مالحاً؛ خصوصاً وأننا نعرف أنّ خلجان البحر الواقعة بين القطيف شمالاً والعقير جنوباً لا تتميز بالعمق بل بالضحالة، وقد سبق وقررنا أنّ هذه المنطقة المحصورة بين القطيف والعُقير فالأحساء هي المنقطة التي لا ينبغي أنْ تخرج (جرَّه Gerra) عنها، وهنا يفرض علينا هذا السؤال نفسه، وهو هل كانت مدينة هجر التي افترضتُ كونها هي جرَّه تقع على خليج عميق من الماء العذب، والجواب هو نعم، فقد ورد في نصٍّ نادر وخطير رواه كلاً من النويري في نهاية الأرب والمقريزي في اتعاظ الحنفا عن فتح أبي سعيد الجنابي مؤسس دولة القرامطة لمدينة هجر قول راوي الخبر ما هذا نصّه: «فدار - أي أبو سعيد - حول هجر، وفكَّر فيما يكيدهم به، وإذا لهجر عينٌ عظيمة كثيرة الماء، تخرج من نَشَزٍ من الأرض غير بعيد منها، ثم يجتمع ماؤها في نهرٍ، ويستقيم حتّى يمرَّ بجانب هجر ملاصقاً، ثم ينزل إلى النّخيل فيسقيها، فكانوا لا يفقدون الماء في حصارهم»[48] .

فمن هذا النص النادر يتضح لنا أنّ مدينة هجر كانت على نهر عميق ملاصقةٍ له؛ يأخذ من عينها الشهيرة التي قلنا أنها كانت تنبع من تلّ المشقر، وهو النشز الذي ذكره الراوي لهذا النص النادر، وعليه فهاهي أبرز صفات مدينة جرَّه، وهو وقوعها على خليج عميق تتحقق لنا الآن في مدينة هجر التي اتضح لنا من نص النويري والمقريزي أنها تقع على نهر أو خليج عميق.

والصفة الثالثة؛ هي قول بلليني أنّ طول محيط مدينة جرَّه يصل إلى 5 أميال، وفي الواقع لا أرى أي مبالغة في ذلك، لأنّنا لو رجعنا إلى أقوال الجغرافيين العرب أو إشاراتهم حول مساحة مدينة هجر، فسوف نجد أنه على الرغم من أنّ هؤلاء الجغرافيين لم يكونوا بدقة الجغرافيين الإغريق في التحديد بالميل أو غيره من مقاييس الطول إلا أنّنا نستشف من بعض ما نقله لنا هؤلاء الجغرافيون حول مدينة هجر أنها كانت من الكبر في الحجم بحيث يصل محيطها العام إلى خمسة أميال بالفعل، ففي نصٍّ لأبي عبيدة ذكره ابن الفقيه في كتابه البلدان[49] قال فيه أنّ قصبات هجر هي الصفا والمشقر والشبعان، وقَصَبةُ البَلد: مَدينَتُه؛ وقـيل: مُعْظَمُه. وقَصَبة السَّوادِ: مَدينتُها[50] .

وعليه فإنّ هجر كان لها ثلاث قصبات هي مدينة المشقر التي كانت تحيط بتل المشقر المعروف الآن بجبل راس القارة، ومدينة الصَّفا التي كانت تحيط بتل الصفا المعروف الآن بجبل أبي الحصيص، ومدينة هجر نفسها التي كانت تقع عند الركن الشمالي الغربي لجبل الشبعان كما بيّنت كلّ ذلك في كتابي «هجر وقصباتها الثلاث؛ ونهرها محلم»، وبالتالي فإنّ مدينةً يكون فيها ثلاث مدن تشكل كلاً منها قصبةً لها لهي مدينة عظيمة الاتساع بالفعل، وقد ذكر شارح ديوان ابن المقرّب على ما يفهم من قراءة أحد نصوصه أنّ الشبعان، وهو الجبل الشهير المعروف الآن باسم جبل القارة كان يقع وسط مدينة هجر تحفُّ به أنهارها وبساتينها[51] وهذا الجبل وحده يبلغ طول محيطه الميلين والنصف تقريباً، فما بالك لو أضيف إليه القصبتان الأخريان مدينة المشقر ومدينة الصّفا بحيث نتخيل وجود سور في القديم كان يبدأ من الركن الشمالي الشرقي لجبل الشبعان (القارة) متجهاً لمدينة الصَّفا الواقعة شمال هذا الركن بـ700 متر تقريباً، ثم يلتف حول المدينة متجهاً إلى مدينة المشقر الواقعة غرب الركن الشمالي الغربي من جبل الشبعان، ومن ثمّ يتجه هذا السور إلى هذا الركن نفسه تاركاً لكتلة جبل الشبعان - الذي يحتضن مدينة هجر الأم - إكمال هذا السور بكتلته، فإنه يمكننا القول أنّ هذا السور الذي بعضه من صنع البشر، والبعض الآخر منه هو كتلة جبل الشبعان نفسه قد يصل بدون مبالغة إلى خمسة أميال طولاً، ولعل ذلك هو عين ما أراد بلليني عندما قال أنّ طول محيط مدينة جرَّه يصل إلى خمسة أميال، وهو يصبُّ أيضاً في صالح قولنا بأنّ جرّه هي هجر.

أما الصفة الرابعة، فهي قولهما إنّ منازل هذه المدينة كانت مشيدة من كتل الملح، ولا أعرف تماماً مغزى قولهم هذا، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن المقصود بكتل الملح هو الجصّ الأبيض المعروف حتى وقت قريب في الأحساء[52] ، وقد يكون كلامه هذا صحيحاً، وإن كان يحتمل أنْ يكون نوعاً آخر من الحجر الملحي كان الأهالي في القطيف والأحساء وأوال (البحرين) حتى وقت قريب يأتون به من مقالع داخل البحر ليبنون به بيوتهم، وهو حجر أبيض يأتون به بأحجام كبيرة، ثم يقومون بتقطيعه إلى قطع متساوية الكتلة غير مهذبة، ويقومون بعد تقطيعه بصفه على استقامة واحدة فوق شريط من الطين اللزج الذي استعيض عنه فيما بعد بالإسمنت ثم يقومون بعد ذلك بصب الطين اللزج أو الإسمنت مرّة أخرى فوق هذا الشريط من الحجارة، ويضعون فوقها قالباً آخر من الحجارة بنفس حجم وكتلة سابقتها، ثم يكررون صب الطين اللزج عليها، وهكذا دواليك حتى يرتفع بناء الحائط إلى العلو المطلوب، ثم يفعلون كذلك في باقي حيطان البيت أو أياً كان المبنى الذي يبنونه، ولعل استرابو وبلليني قد أرادا هذا النوع من الأحجار عندما قالا إنّ منازل جرّه مشيدة من الملح، ويقصد بذوبانها من الحرارة هو ما يشاهد من تهايل هذه الحجارة عند تعرضها لحرارة الشمس بالفعل، وبالتالي فإن الأهالي في القطيف والأحساء وأوال كانوا دائماً ما يرشون بيوتهم بالماء حتى وقت قريب، وقد شاهدنا ذلك عندما كنا صغاراً بأعيننا، وبالتالي فإن وصف استرابو وبلليني هو وصفٌ دقيق وصحيح، وهو أيضاً مما يؤيد القول أنهما أرادا بجرّه مدينة هجر نفسها.

ونأتي إلى الصفة الخامسة، وهي أكثر الصفات وضوحاً حتى وقتنا الحاضر، وهو قول استرابو عن وجود أملاح في تربة هذه المدينة، ويقصد بذلك كثرة السَّبَخات فيها، وهو أمرٌ لسنا بحاجة إلى التدليل عليه، ومن يطالع الخرائط الجيولوجية الخاصة بمنطقة الأحساء الآن يجد أنّ الكثير من السبخات العملاقة تحيط بهذه الواحة التي تحتضن من دون ريب مدينة هجر القديمة، فإلى الشرق من هذه الواحة تقع سبخة كبيرة تسمى سبخة مُرَيْقِبْ، وسبخة شَاْطِر، وإلى الشمال سبخة رُمَادَان، وهو أمرٌ غير مستغرب نظراً لكميات المياه الهائلة والعظيمة التي كانت تقذفها عيون الأحساء في الأزمنة الغابرة، وحتى إلى وقت قريب من عصرنا هذا، ونظراً لإحاطة الكثبان الرملية بهجر منذ القدم، فقد شكلت هذه الكثبان مصدات طبيعية جعلت هذه المياه المتدفقة تدفع نحو منخفضات أرضية، مما كوّن ترسبات ملحية في مثل هذه المنخفضات، وهي ما يُعرف في الجغرافية باسم السبخات، وهي عين ما قصده استرابو من قوله أنّه يوجد في تربة جرَّه أملاح، وهاهو وصفه ينطبق أيضاً على تربة هجر.

أما الصفة السادسة، فهي قول استرابو أنّ مدينة جرَّه تقع على بعد 200 ستيديا عن ساحل البحر أي ما يقارب الـ60 ميلاً، وهذه الصفة هي الصفة الوحيدة التي تثير حيرتنا، فالمعروف كما قلنا أنّ هجر كانت تقع عند الركن الشمالي الغربي لجبل الشبعان (القارة) ملاصقة له، وهذا الجبل يبعد عن البحر بمسافة لا تتعدى 37 ميلاً بالاتجاه المباشر على الخريطة من هذا الجبل إلى ميناء العُقير الذي يفترض أنه هو نفسه ساحل جرَّه كما عند الإغريق، أو ساحل هجر كما عند الجغرافيين العرب[53] ، ولكننا يجب أن نلتفت إلى أنّ استرابو قد لا يكون أراد بالمسافة بين مدينة جرَّه وبين البحر المسافة الحقيقية كما هي على الخريطة، وأغلب الظنّ أنه أراد المسافة التي كان يقطعها المسافرون للوصول من مدينة جرَّه إلى العُقير وبالعكس، فإذا كان هذا هو الصحيح، فيجب أن لا نغفل هذه السبخات العملاقة الواقعة إلى الشرق من حزام النخيل الواقع شرق هذا الجبل وشماله الشرقي والمحيطة به مثل نصف سوار المعصم، وهذه السبخات كان المسافرون لا يفضلون المشي فيها لتخرسها بالمياه، ولا سيما في السابق نظراً لحجم كميات المياه الهائلة المتدفقة من عيون واحة هجر إلى تلك السبخات، والتي كانت إلى وقت قريب لا تجفُّ من الماء مسببة شبه بحيرات متواصلة تحيط بالحدود الشرقية والشمالية الشرقية لنخيل الواحة، وعليه فقد كان الأهالي عندما يقصدون ميناء العُقير للسفر، فإنهم كانوا يقصدون طريقين اثنين أحدهما وهو أقدمهما كان يأخذ إلى الشمال حتى يتقاطع مع طريق العُيون الذاهب إلى العُقير، ثم يكملون السير فيه إلى أن يصلوا إليها قاطعين مسافة 57 ميلاً، وهو رقم قريب جداً من الرقم الذي ذكره استرابو، والذي يبدو أنّ هذا الطريق هو الذي عناه عند ذكره للمسافة التي تفصل بين مدينة جرَّه والبحر، وأما الطريق الثاني فهو كان يتجه من الجبل إلى موضع القرية المعروفة اليوم باسم الجشة، ومن ثم يتجه شرقاً إلى أنْ يصل إلى ميناء العُقير قاطعاً مسافة تصل إلى 43 ميلاً تقريباً، ولكنني أستبعد أن يكون هذا هو الطريق الذي كان يقصده سكان هجر لأنه فيما يبدو حديثٌ نسبياً بالنسبة للطريق الأول، وأغلب الظنّ أنّ هذا الطريق الثاني إنما بدأ استخدامه بعد أنْ قامت مدينة الهفوف، وأصبحت عاصمة الأحساء في أواخر القرن السابع الهجري لأنّ هذا الطريق يكون أقرب إليها من الطريق الأول الذي بدأ يندثر شيئاً فشيئاً، فإذا افترضنا صحة القول بأنّ الطريق الأول هو بالفعل الطريق الذي كان يختاره المسافرون من مدينة جرّه أو هجر نحو العُقير جاز لنا حينها القول أنّ هذه الصفة، وهي قول استرابو عن مدينة جرّه أنها تقع على بعد 60 ميلاً عن الساحل تنطبق بالفعل على المسافة التي تفصل بين مدينة هجر والبحر، ولكنها مسافة الطريق التجوالية وليس المسافة الحقيقية على الأرض أو كما في الخريطة.

أما الصفة السابعة والأخيرة، فهي قول بلليني عن منطقة أتني «Attene» التي تبعد إلى الداخل بمسافة 50 ميلاً من الساحل، وفي الجهة المقابلة لها داخل البحر، وعلى نفس البعد من الساحل توجد جزيرة تايروس «Tyros» الشهيرة بلألئها المتعددة».

وقد جزم نجيل جروم أنّ تايروس «Tyros» ما هي إلا جزيرة البحرين، وأنها قد تحرّفت عند بلليني عن تايلوس «Tylos» لأنّ تايروس حسب قوله هي جزيرة تاروت، وأرى أنّ نجيل جروم قد صدق في استنتاجه هذا على عكس استنتاجه الآخر، وهو قوله أنّ أتني «Attene» هي واحة الأحساء، وقد تقدم القول عن ترجيحي لكونها واحة العُيون التي تقع إلى الشمال من واحة الأحساء بـ 7 أميال، فهذه الواحة تبعد عن أقرب نقطة من البحر بـ 43 ميلاً، وهو رقم قريبٌ جداً من الرقم الذي أعطاه بلليني للمسافة بين واحة أتني «Attene» والبحر، وهي 50 ميلاً إغريقيا، وهو ما يعادل 46 ميلاً إنجليزياً، ولو أخذنا في الحسبان تعرجات الطريق بين واحة العيون والبحر، فإنّ المسافة حينها تتساوى مع المسافة التي أعطاها بلليني تماماً، وعليه تكون واحة «Attene» هي واحة العيون لا واحة الأحساء، ولا يقف الأمر عند هذا الاستنتاج فقط، بل إنّ قول بلليني إن واحة أتني «Attene» يقابلها في البحر وعلى نفس المسافة من الساحل جزيرة «Tylos» أي البحرين ينطبق على واحة العيون أكثر منه انطباقاً على واحة الأحساء لأنّ واحة العُيون هي التي يواجهها الجزء الجنوبي من جزيرة البحرين بعكس واحة الأحساء التي تقع إلى الجنوب الغربي من هذه الجزيرة بمسافة 63 ميلاً، 38 ميلاً منها في البر، و25 ميلاً منها في البحر، وكما أنّ شرط التقابل معدوم بين واحة الأحساء وجزيرة البحرين، فكذلك شرط التساوي في المسافة بين كلاً منهما إلى الساحل معدومٌ أيضاً وهو مخالف لظاهر قول بلليني الذي ينطبق فقط على جزيرة البحرين وواحة العُيون التي لا أشكُّ الآن أنها هي واحة أتني «Attene».

وهكذا نصل إلى أنّ جميع الصفات التي ذكرها كلا من استرابو وبلليني لمدينة (جرَّه) تنطبق على مدينة (هجر) ويحق لنا الآن أن نعود إلى ما سبق وأكدناه، وهو أنّ بطليموس عندما صنع خريطته للجزيرة العربية في العام 150 للميلاد كانت مدينة هجر في هذا الوقت على غاية الشهرة في الجزيرة العربية، فقد بينت في كتابي «هجر وقصباتها الثلاث» أنّ المشقّر وهو حصن هجر الأشهر، والذي قال بعض الجغرافيين العرب أنه هو مدينة هجر نفسها[54] قد بُني عام 20 للميلاد فهذا يعني أنه في العام 150 للميلاد وقت وضع خريطة بطليموس كان قد أتى على بناء المشقر 130 عاماً، وهو وقت كافٍ لاستقطاب الناس إلى هذه المدينة، ومدينة هجر مما يعني صحة ما قلناه من أنّ هجر حينها لا بد وأن تكون قد بلغت الغاية من الشهرة بحيث أنّ القبائل التي كوّنت حلف تنوخ في العام 190 للميلاد كما أسلفنا لم تجد أفضل من هجر للتنوخ فيها واتخاذها داراً لحلفهم وإقامتهم مما يعني ازدهارها وتوفر كل أسباب العيش الرغيد فيها، وكونها أشهر مدن الإقليم دون استثناء، فلا يعقل أن يكون بطليموس قد أراد غيرها عندما كتب في خريطته اسم (جرَّه) في المنطقة نفسها التي تقوم عليها مدينة هجر، فهو إذاً إنما أراد هجر لا غير، وهو ما أكدته لنا توفّر الصفات السبع التي ذكرها استرابو وبلليني لمدينة (جرَّه) وانطباقها كما رأينا على مدينة هجر، مما يجعلني جازماً في القول بأنّ هجر هي مدينة جرَّه التي ذكرها الإغريق في كتبهم بلا ريب.


-----------------------------------------------------------------
[1] ممن أسماها الجرعاء الشيخ حمد الجاسر في هذا الرسم من معجمه الخاص بالبلاد العربية السعودية/ قسم المنطقة الشرقية، وسيتضح لنا فيما يأتي أنّ الجرعاء التي في الأحساء والتي ظنّ بعض هؤلاء الكتاب أنها هي جرَّه هي غيرها في الواقع.
[2] انظر بحث الجرهاء مدينة مفقودة في الجزيرة العربية لنجيل جروم، والذي نشرته مجلة أطلال حولية الآثار العربية السعودية في عددها السادس في الصفحة 95.
[3] المصدر السابق.
[4] انظر في ذلك كله بحث الجرهاء مدينة مفقودة في الجزيرة العربية لنجيل جروم، والذي نشرته مجلة أطلال حولية الآثار العربية السعودية في عددها السادس في الصفحة 95 وما بعدها.
[5] انظر المصدر السابق الصفحة 97.
[6] سوف يأيت وصفه مع وصف استرابو لجرّه بالتفصيل فيما يلي.
[7] الجرهاء مدينة مفقودة في الجزيرة العربية لنجيل جروم/ مجلة أطلال العدد السادس الصفحة 102.
[8] الجرهاء مدينة مفقودة في الجزيرة العربية لنجيل جروم/ مجلة أطلال العدد السادس الصفحتين 95، 101.
[9] أشار د. جيوفري بيبي في كتابه البحث عن دلمون إلى أنّ جيولوجيي أرامكو قد قاموا بمسح ارتجاجي بالقرب من رأس القرية، وقاموا بتصوير المطقة من الجو، فأظهرت الصور شبكة قنوات ريٍّ قديمة يصل ارتفاعها إلى ستّ بوصات، وقد قدر بيبي المساحة الزراعية التي كانت تسقيها هذه القنوات بمساحة البساتين التي تحيط بالقطيف. انظر الصفحة 405 من الكتاب المذكور.
[10] انظر الصفحة 393 من طبعة دار صادر – بيروت، والمصوّرة عن طبعة ليدن المحققة.
[11] صفوان هذه ليست صفواء كما قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين، وإنما هي مدينة مندثرة كانت تقع إلى الشمال مباشرة من الموقع الأثري الشهير جاوان شمال شرق صفواء المدينة المعروفة من مدن القطيف، ولا زال الموضع معروفاً بالاسم نفسه حتى الآن.
[12] تحرّفت في طبعة دار ومكتبة الهلال إلى البحر وهو غير صحيح لأن هجر لم تكن تقع على البحر.
[13] انظر ج2: 1230 من شرح الديوان بتحقيقي وزميليّ علي البيك وعبد الغني العرفات.
[14] الصفحة 55/ طبعة مكتبة المعارف - الرياض.
[15] نقل عنه ذلك الشيخ حمد الجاسر في معجم البلاد العربية السعودية/ المنطقة الشرقية؛ رسم (هجر).
[16] الجزء الأول الصفحة 120 وما بعدها.
[17] جاء في تهذيب اللغة للأزهري في مادة (ق ط ر) قوله: قُلْتُ في أَعراضِ الْبَحْرينِ عَلَى سَيْفِ الْبَحْرِ بين عُمَانَ والعُقَيرِ: مدينةٌ يقال لها: قَطَر، فهو كما ترى جعلها من البحرين.
[18] انظر البحث المذكور في الجزء الأول في الصفحات 29 - 38 من كتاب البحوث المقدمة لمؤتمر دراسات تاريخ شرق الجزيرة العربية طبع مؤسسة دار العلوم بقطر.
[19] انظر المصدر السابق الصفحة 35.
[20] يقع قرن أبي وائل قرب السكك على الحدود السعودية القطرية جنوب سلوى بثلاثة أميال ونصف في حين تقع روضة الفرس شمال غرب ميناء الخور بـ14 ميلاً، والمسافة بين قرن أبي وائل وروضة الفرس تقدر بـ85 ميلاً.
[21] المصدر السابق؛ الصفحة 29.
[22] ذكر ياقوت في معجمه رسم (أردشير خره) أن أهم مدنه: جور وسيراف وشيراز.
[23] الجرهاء مدينة مفقودة في الجزيرة العربية لنجيل جروم/ مجلة أطلال العدد السادس الصفحتين 99 - 100.
[24] من الملاحظ أنّ كتاب الإغريق والرومان غالباً ما يضيفون حرفي (us) إلى آخر مسميات المدن ليس في منطقتنا فحسب، بل في معظم المناطق الشرقية التي كتبوا عنها، ومما كتبه بعض هؤلاء الكتّاب، ومنهم بطليموس في خريطته الشهيرة عن الجزيرة العربية من أسماء:
(الخليج الفارسي Sinus Persicus)، (عَراد Aradus)، (أوال Tylus)، و(الخطّ Cateus)
[25] تنطق القاف مثلما ينطق المصريون الجيم.
[26] راجع كتاب هجر وقصباتها الثلاث للكاتب، وأود أن أضيف هنا أنّ هذه المغارة هي المغارة التي قُتل فيها التميميون في يوم الصفقة بالمشقر، وقد ذكرت في كتابي المذكور عن بعض المؤرخين العرب القدامى أنّه كان للمشقر بابان اسم أحدهما باب السوق، والآخر باب جيّار، ولفظة جيّار قريبة أيضا من جرَّا أو جرّه، فلعل اسم الجرّه محرَّفٌ عن جيَّار هذا.
[27] الصفحة 29 من الطبعة الثالثة.
[28] الخليج العربي-السير أرنولدت ويلسون؛ الصفحة 158.
[29] الأغاني؛ ج13: 80.
[30] الاشتقاق؛ الصفحة 542.
[31] الخليج العربي - السير ارنولدت ويلسون؛ الصفحة 80.
[32] أورد العوتبي في كتابه الأنساب بيتاً لبعض الأزديين ينسب تسمية عمان بالمزون لكسرى ملك الفرس، فقال:
إنَّ كسرى سَمّى عمان مُزوناً ومزونٌ يا صاح خير بلاد
[33] وذلك من جزيرة إيكاروس (فيلكا) الواقعة الآن في الكويت حيث أشار إليها قبل هذا النص بقليل.
[34] انظر مجلة أطلال حولية الآثار العربية السعودية ج6: 96، ولا أعرف وجهاً لقوله عن رحلات الجرهيين عن طريق البر أنه مخالف لما قاله أرسطو بولس من أنهم كانوا ينقلون معظم بضائعهم على رموث خشبية (نوع من المراكب) حتى بابل، فالمعروف عن تجّار هذه المنطقة أنهم قد استخدموا كلا الطريقين البرّي والبحري في التنقل إلى العراق وغيره من البلدان، وقد بقي ذلك حتى وقت قريب من عصرنا هذا، فلا داعي للقول بوجود مثل هذا التناقض المزعوم.
[35] المصدر السابق؛ المورد نفسه.
[36] انظر مجلة أطلال ج6: 99.
[37] يرى سبرنجر ذلك كما نقل عنه ذلك نجيل جروم في بحثه عن الجرهاء الذي نشرته مجلة أطلال في الجزء السادس منها.
[38] يفضل مراجعة كتاب (هجر وقصباتها الثلاث) المذكور للوقوف على كل ذلك.
[39] نصّ على ذلك الهمداني في صفة جزيرة العرب الصفحة 306، ونهر بلخ هو النهر الذي كان يُعرف بنهر جيحون، وهو نهر عظيم كثير الروافد والتفرعات، فإذا كانوا قد شبهوا نهر محلم به في الطول ووفرة المياه فإنَّ ذلك يعني أنّ نهر محلم كان في الأزمنة السحيقة يصل إلى ساحل الخليج الفارسي قاطعاً مسافة تصل إلى أكثر من 70 كلم، ولولا التقاءه بالخليج الفارسي لذهب أبعد من ذلك.
[40] المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية - للشيخ حمد الجاسر؛ رسم (هجر).
[41] انظر مادة (م ت ع).
[42] انظر مادة (خلج).
[43] راجع شعر لبيد هذا وما بعده في كتاب هجر وقصباتها الثلاث الصفحة 32.
[44] المسجور: الملآن، والذوائب: ظفائر الشعر استعارها لتشبيه عذوق النخلة بها.
[45] الجُعْل: جمع جَعْلة، وهي النخلة القصيرة، والكوافر: هي غطاء الطلع، والمكموم: المغطّى، والمهتصر: المذللة عذوقها.
[46] رفْهاً: أي تشرب متى شاءت، وأصله للإبل استعاره للنخل، وعراكاً: مزدحمة، والكارع: كلّ خائضٍ في الماء شرب أم لم يشرب.
[47] را. معجم البلدان رسم (محلم).
[48] راجع كتاب (هجر وقصباتها الثلاث) للكاتب؛ الصفحة 231.
[49] راجع المصدر السابق؛ الصفحة 46.
[50] لسان العرب مادة (قصب).
[51] راجع ديوانه المشروح بتحقيق الكاتب وزميليه.
[52] انظر معجم المنطقة الشرقية - الشيخ حمد الجاسر رسم (هجر).
[53] ذكر ذلك المسعودي، وأسماه ساحل هجر، وكذلك فعل كلاً من..
[54] هذا الجغرافي هو البكري، وقاله في كتابه معجم ما استعجم في رسم المشقر، وإن كنت بينت في الكتاب المذكور أن ذلك غير صحيح، وأن الصحيح أنه قريبٌ جداً من هجر، كما أنه كان به العين الشهيرة المعروفة في التاريخ العربي باسم عين هجر، والتي عندها وقع الحلف العربي الشهير المعروف باسم (تنوخ)، وعلى كل حال فإن هذا الحصن كان لا يبعد عن هجر بأكثر من 500 متر فقط. انظر الكتاب المذكور الصفحة 151.
 

التعليقات تمثل رأي كاتبيها فقط

 

إضافة تعليق

الاسم
الدولة أو المدينة
البريد الإلكتروني
التعليق

المقالات
حكمة
وما اليوم إلا مثل أمس الذي مضى
تواصل معنا
أضف بريدك الإلكتروني
   

الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | الصوتيات | سجل الزوار | اتصل بنا | شبكة العقاري

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القطيف الثقافية 2013-2014