الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | سجل الزوار | اتصل بنا

القرآن وحرية المجتمع.. وإشكاليات الواقع المعاصر

 


2010-08-15
عدد القراء: «1723»


تمهيد
قديماً ارتبطت الحرية كمنهج فردي بأهل العلم والفكر والمعرفة الذين وجدوا في أنفسهم القدرة على ممارسة التفكير والإبداع والنقد بتحرر بعيداً عن القيود، وقادهم ذلك إلى نشر ما توصلوا إليه، وفي كثير من الأحيان التضحية ومجابهة العقبات التي تحول دون وصوله.

ومع ذلك فقد تأخر ظهور مشروع الحرية في المجتمع وتطبيقه فكرياً وسياسياً على الحياة العامة، فالفلاسفة وأهل الفكر والثقافة والنظر الذين وضعوا كل شيء موضع النقد البناء والمناقشة الحرة وعملوا بمبدأ الحرية في عرض أفكارهم وإيصالها إلى الناس، انسجم البعض منهم مع الواقع القائم على الاستبداد والدكتاتورية بل ربما صار التعايش من أبرز صفاتهم وسماتهم، ففي الوقت الذي يجتهد ويجاهد لإبراز رأيه ونشره بل ربما يثور دفاعاً عن حرية الرأي تراه في ذات الوقت مؤيداً لأنظمة الاستبداد وربما منظراً لها.   

ومحور هذه الكلمة يناقش الحرية من الزاوية الاجتماعية في القرآن الكريم، مع ملاحظة الإشكاليات المتربعة على واقعنا المعاصر والتي قد تحول دون الأخذ بتلك المفاهيم أو عرقلة تطبيقها.

وقبل الدخول في الموضوع تجدر الإشارة إلى ورود أصل كلمة "الحرية" أو مفهومها في القرآن الكريم.

فنقول:
لم ترد كلمة الحرية في الكتاب العزيز، ولكن كلمات أخرى قريبة منها ككلمة  "تحرير، محرراً، الحر" وردت فيه. قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ سورة النساء، آية 92

وقال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ سورة آل عمران، آية 3

وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ﴾ سورة البقرة، آية 178

وبالرغم من أن لفظة الحرية لم ترد في كتاب الله العزيز إلا أن آياته حملت دلالات ومعاني الحرية بأطيافها المختلفة ومنها على سبيل المثال ما ورد من الآيات الكثيرة التي تتحدث عن مفهوم الطاعة وتحرير الإنسان من سلطة الأهواء والشهوات والشيطان والآباء والطاغوت.

قال تعالى في مقام ذم طاعة قوم فرعون له: ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ سورة الزخرف، آية 54

وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ سورة الأنعام، آية 121

وقال تعالى: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾  سورة الأحزاب، آية 67

وقال تعالى: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ سورة الأنعام، آية 116

وقال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ سورة العنكبوت، آية 8

وقال تعالى في النهي عن طاعة الكفار: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ ﴾ سورة آل عمران، آية 149

هذه الآيات وغيرها كثير توضح مجموعة من الحقائق:

1. أن الإنسان محاط بمكبلات كثيرة تسلبه حريته وتوقعه في رق العبودية لها، وقد بينها القرآن الكريم من خلال آياته في مناسبات عديدة، وأمر بكسرها.
2. وكسر هذه القيود والإنعتاق من أسرها يحتاج إلى الارتباط بالله سبحانه وتعالى والتقيد بمنهاجه.
3. وحينها يحصل الإنسان على الحرية الحقيقية، والقيود التي يقيد بها من خلال إيمانه لا تسلبه حق الاختيار ولكنها تحمله تبعات اختياره.
4. ومن حقائقها المهمة أنها حق بلحاظ إنسانية الإنسان، وواجب بلحاظ المحاسبة.


 ركائز حرية المجتمع

أولا التساوي بين البشر
ينظم القرآن الكريم العلاقة بين بني البشر على أساس التساوي في عبوديتهم لله فلا يحق لأحد منهم أن يسود غيره إلا بإذن الله، كما لا يجوز لأحد الخضوع والطاعة والتسليم إلا لله وحده أو لمن يأذن الله في إتباعه.

قال تعالى: ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) ﴾ سورة إبراهيم

والاختيار أخيراً بيد الإنسان نفسه. قال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) ﴾ سورة الزمر

قال سماحة السيد المرجع المدرسي دام ظله: إن بصيرة وحدة البشر في أصل الخلقة ركيزة أساسية في النظام المعرفي والثقافي والتشريعي للدين الحنيف، فهي تصبغ أحكام الإسلام بصبغة التوحيد، الذي يتضاد أساساً مع كل لون من ألوان الشرك؛ ينفي استعباد الناس بعضهم لبعض باسم الدين أو باسم العنصرية أو القومية أو الطبقية، كما ينفي تسلط الناس بعضهم على بعضهم بقوة النار والحديد أو بجاذبية الثروة أو حتى باسم التقدم العلمي. وهكذا ينفي التمايز بين الناس بالدم أو بالولادة في أرض أو بالسكن في منطقة أو بالانتساب إلى مبدأ أو ما أشبه، اللهم إلاّ بالتقوى (الإيمان والعمل الصالح) (1).

ومع انتفاء هذه الركيزة أو حين يشوبها التشويش أو الغموض في الذهن أو على أرض الواقع فإن القيود الذاتية أو النابعة من سلطة الآخرين ستؤثر في قدرة الإنسان على الاختيار بإرادة مطلقة في الفعل أو الترك وربما أثر ذلك أيضاً على ما يدور في فكر الإنسان.

فالتعاطي مع أي نوع من أنواع السلطة سياسية، اقتصادية، اجتماعية، أم غيرها .. بل وحتى سلطة التاريخ والرأي العام إذا كان نابعاً من التفاضل غير المشروع يُعد تقييداً للحرية وإبعادها عن الواقع الاجتماعي، وهذا ينشئ مجتمعاً متقاعساً ليس له فاعلية في الحياة.

وربما تلقى تبعة هذه على السلطة السياسية فممارساتها قد توصل مجتمعاتها ليس إلى عدم الفاعلية فحسب بل إلى الموت أحياناً! وهذا صحيح إلا أنه لا يعفي الإنسان من هذه التبعات فهو المعني أولاً وبالذات، ولذا خاطب أمير المؤمنين (ع) الإنسان بقوله: ﴿ لاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً ﴾ (2).


ثانياً المسئولية والتكليف
مبدأ التساوي بين البشر وعدم استعلاء بعضهم على البعض الآخر يفرض مسئولية عامة تقع على عاتق الجميع والمسئولية بهذا المعنى ترتبط بأمرين:
1. الأمانة التي عرضت على الإنسان فحملها. قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ سورة الأحزاب، آية 72
2. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ سورة التوبة، آية 71

وواضح أن جميع الفضائل بما فيها "الحرية" تجمعها كلمة المعروف كما أن جميع الرذائل تجمعها كلمة المنكر فالمعروف هو المعروف بين الناس والمنكر هو ما أنكره الناس أيضاً، وفي هذه الآية تقرير لولاية المؤمن على أخيه المؤمن فيما يرتبط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال بعض الفقهاء.

وهنا ينبغي أن نتساءل عن حدود هذه المسئولية وآفاق حرية الإنسان فيها؟
أولا وقبل كل شيء ينبغي أن نعرف أن حرية الإنسان إنما هي من الجانب التكويني وليست التشريعي، فهو من الناحية التشريعية مكلف يجب عليه القيام بما هو مكلف به، وهذا الأمر ليس مرتبطا بالإسلام فحسب وإنما في كل الديانات والشرائع بما فيها الشرائع التي أخذت الحريات مجالاً واسعا في واقعها العملي.

وكمثال على ذلك فقد وفّر الله للإنسان فرصة الاختيار، ومنحه القدرة على التشخيص والاختيار ولكنه فرض عليه اختيار الحق وتطبيقه، قال تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً ﴾ سورة الكهف، آية 29


ثالثاً الشورى
المجتمع الذي تكون المسئولية حاضرة بين أبنائه هم أشد الناس حاجة إلى قنوات تجمعهم للتشاور، والتنسيق ، والتوافق على العقود المرتبطة بإدارة المجتمع وأبنائه، والمؤسسات الحيوية والفاعلة فيه.
1. الشورى تستبطن اعترافاً متبادلاً بين أبناء المجتمع على أنهم شركاء في مجتمعهم خيره وشره، ولا يحق لأحد الاستئثار بتسيير الأمور فيه أو الاستئثار بخيراته.
2. تعزز المسئولية في النفوس وتزيدها حيوية. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ سورة الشورى، آية 38
3. المجتمع الحي هو من يبحث أبنائه عن الأحسن فيختارونه. قال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾ سورة الأعراف، آية 145


* إشكاليات الواقع المعاصر
مما سبق يتضح لنا أن واقع مجتمعاتنا المعاصرة بعيدة عن الحرية ويمكن لنا تلخيص أهم الإشكالات بأمرين:
1. ضعف ثقافة الحرية في الواقع الاجتماعي، وربما تصل إلى حدودها الدنيا بحيث يمكن توصيفها بالانعدام.
2. شيوع حالة الاستبداد في أغلب مؤسسات المجتمع ( الأسرة، المدرسة، المسجد، الحسينية، اللجان الأهلية، السلطة السياسية).

-------------------------------------------------------
*كلمة ألقيت في مؤتمر القرآن الكريم- الثالث الذي نظمه ملتقى القرآن الكريم، سيهات، شرق المملكة العربية السعودية، 16/17 رمضان لعام 1426 هـ، تحت شعار: مشروع الحرية في القرآن وإشكاليات الواقع المعاصر
(1) التشريع الإسلامي؛ ج 9.
(2) شرح ‏نهج‏ البلاغة؛ ج 16، ص 93.


 

 

إضافة تعليق

الاسم
الدولة أو المدينة
البريد الإلكتروني
التعليق

المقالات
حكمة
الاتحَــادُ قُــوةٌ والحـقُ ظـلٌ ظليـلٌ
تواصل معنا
أضف بريدك الإلكتروني
   

الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | الصوتيات | سجل الزوار | اتصل بنا | شبكة العقاري

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القطيف الثقافية 2013-2014