الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | سجل الزوار | اتصل بنا

عيون القطيف من لغز تكوينها إلى سر اندثارها

 


2007-06-14
عدد القراء: «7666»


عين العواميةبين مزارع النخيل والخضرة التي تتشابك حتى تحجب نور الشمس وعند ساحل الخليج العربي في واحة القطيف تقع مجموعة من العيون الطبيعية التي ما زال يجهل التاريخ الأيدي التي بنتها، إلا أن بعض المؤرخين ينسبونها لأقوام يدعون بالعمالقة سكنوا المنطقة منذ آلاف السنين.

وتمثل هذه العيون لغزا تاريخيا ما زال يحار فيه المؤرخون والباحثون، ففي حين يعزو المؤرخون وجود هذه العيون للعمالقة يخالفهم الباحثون الجيولوجيون في ذلك ويعللون وجود العيون نتيجة لتعرض المنطقة في القديم لأزمنة مطيرة أدت إلى تسرب المياه من فوق السطح إلى طبقات الأرض السفلى فووجهت بوجود طبقات صماء مانعة للتسرب وتجمعت على أثرها المياه على شكل أحواض. وبسبب وجود شقوق في هذه الطبقة ووجود الماء فيها وانحدار السطح إلى الشرق أدى كل ذلك الى اندفاع المياه عبر تلك الشقوق وخروجها على شكل عيون متدفقة إلا أن التكوين الهندسي للعيون يتعارض وهذه الفرضية كما يتعارض تاريخ الأقوام الذين قطنوا المنطقة مع النظرية الأولى، وتبقى كلها مجرد فرضيات.

وكانت العيون في القديم تمثل مصدرا رئيسا للمياه التي عليها تقوم كل مقومات الحياة، فمن الزراعة التي كانت تروى من هذه العيون إلى الاستخدامات المتعددة للسكان والتي كانت تعتمد اعتمادا كليا على ماء هذه العيون كان الأهالي يجتمعون عندها للسباحة والغسيل. ومع مرور الأيام أصبحت هذه العيون أثرا بعد عين حيث جفت مياهها وأصبح وجودها يشكل خطرا بعد أن كانت هي الحياة. ويعتبر نضوب هذه العيون وجفاف مائها بعد آلاف السنين من العطاء والتدفق لغزا آخر يضاف للغز تكونها إلا أن هذا اللغز يجد تحليلا من الجيولوجيين والجغرافيين تدعمه الأحداث والشواهد.

فنضوب العيون الذي بدأت مظاهره في الظهور مع بداية العهد النفطي في المنطقة يربط بين الأمرين إذ إن آبار النفط التي تنتشر على حدود المنطقة وفي أنحاء مدنها ويسحب البترول من خلالها من باطن الأرض يؤدي إلى وجود فراغ في طبقات الأرض السفلى تتجه له مياه هذه العيون بعد أن كانت في القديم تتدفق على السطح أصبحت تتدفق للعمق لتعوض الفراغ المتكون جراء سحب البترول الذي يفترض أن يعوض عنه بمياه من البحر للمحافظة على الثروات الأخرى للمنطقة.

حمام أبو لوزةويضيف بعض الجيولوجيين سببا آخر لنضوب هذه العيون وهو بناء السدود في المناطق الجنوبية من المملكة والتي أصبحت خزائن لمياه الأمطار التي كانت تتجه للمنطقة وتغذي العيون الجوفية والينابيع بسبب طبيعة تكوين المنطقة الجغرافي حيث تعد المنطقة الشرقية أكثر المناطق انخفاضا في الجزيرة العربية ما يجعل كميات المياه الساقطة على المناطق الأخرى تتجه لها عبر أنهر جوفية تمر تحت طبقات الأرض وتكون عيونا وينابيع طبيعية.

ومن خلال هذين التفسيرين نرى تكالب العوامل التي تسبب نضوب العيون وجفافها بالإضافة إلى الإهمال الذي أصابها بعد تطور الحياة المدنية للسكان وتوفر المياه في المنازل الذي عوض السكان عن مياه هذه العيون التي تتذكرها الجدات بحنين وأسى.

وعودة على بدء لتاريخ هذه العيون نرى أنها بالإضافة لكونها أحد مصادر الحياة التي قامت عليها المنطقة قديما تمثل تراثا وتاريخا يمتد في القدم لسنوات لم يستطع المؤرخون حسابها، فمن خلال جولة بين بقايا هذه العيون والتنقيب في ذاكرة الأجداد عنها نجد أن بعضها يحمل نقوشا وكتابات مسمارية يعود بعضها لتاريخ بنائها، كما أن طريقة بنائها أو تكوينها تثبت بما لا يدع مجالا للشك عبقرية التصميم، فأشكال العيون تختلف فيما بينها من حيث الحجم والشكل الهندسي فمنها الدائري والمربع والمستطيل والعشوائي والكبير الذي تتفرع منه الينابيع لتغذي مساحات شاسعة والصغير الذي لا يتجاوز أمتارا قليلة.

ومع كل هذه الاختلافات إلا أن تكوينها الداخلي يتشابه وهو الذي يعكس عبقرية التصميم إذ إنها تتكون من أربع طبقات تمثل الطبقة الأولى أو ما يعرف بالتجويف الخارجي الشكل الهندسي الذي يشكل شكل العين. أما الطبقة الثانية فهي عبارة عن نتوءات صخرية تبرز في جدران العين الداخلية وتمثل خطرا على السابحين غير العارفين بتكوين العين وتختلف هذه النتوءات في البروز من عين لأخرى.

وفي الطبقة الثالثة يوجد سرداب طويل أو مجرى مائي تنتقل من خلاله مياه العين للمزارع ويختلف طوله من عين لأخرى، ويعتبر هذا الجزء أكثر أجزاء العين ضيقا. ويأتي من بعده وامتدادا له في العمق قاع العين الذي يتكون من طبقة رسوبية تتدفق من خلالها المياه الجوفية ومنه تتغذى العين بالمياه الجوفية المنبعثة من باطن الأرض. ويتركز سبب نضوب العيون في قاعها إذ إن المياه المتدفقة من القاع التي تتغذى منها العين توقفت عن التدفق ما جعل ماء العين ثابتا وغير قابل للتجدد.

ويروي بعض السكان أن هذه العيون لا يمكن لأحد النزول لها بعد أن نضبت مياهها فمهما كان السباح ماهرا لا يمكن له أن يسبح فيها فكل من ينزل لها تسحبه الأرض لجوفها. فبعد أن كانت في القديم تدفع السابحين فيها للأعلى بسبب قوة تدفق مياهها فلا يغرق فيها أحد أصبحت الآن تسحب كل ما يقع فيها للأسفل بسبب الضغط الذي تتعرض له من الأرض، وهذا ما يفسر قيام الكثير من السكان بردم عيونهم بالرمل أو تسويرها بالشباك وهي التي ما زال ببعضها ماء إلا أنه آسن ويؤدي إلى تجمع الحشرات والبعوض.

ويروي بعض السكان عن وجود كائنات عملاقة تسكنها ويتناقلون فيما بينهم حكايات عن هذه الكائنات كما أن بعضها الآخر جف تماما وأصبح مجرد تكوين فارغ لبناء كان يوما من الأيام نبعا للحياة.

وتنتشر في منطقة القطيف وحدها أكثر من 130 عينا أغلبها جف ماؤها وبعضها قارب على الجفاف. وتتوزع بشكل عشوائي في أنحاء المنطقة فبعضها يقترب من بعض بشكل يدعو للاستغراب بل وتتصل فيما بينها بممرات مائية تحت الأرض تمكن السابح في عمقها من الانتقال من عين لأخرى عبر هذه الممرات. كما أن بعضها يتدفق منه الماء الدافئ الذي كان يستخدمه الأهالي لغايات علاجية وكان دائم الحرارة حتى في فصل الشتاء بينما ترتبط به عين أخرى باردة المياه، وهذا ما يدعو للاستغراب إذ إن كلتا العينين لهما نفس طعم الماء وتقعان في نفس المنطقة ولا تبعدان عن بعضهما سوى بضعة مترات وتتصلان ببعض بممر مائي، إلا أن ماءهما لا يختلط وتبقى العين دافئة بدفئها طوال السنة والباردة مثل ذلك، وهذا أحد الألغاز التي تحتفظ بها العيون لنفسها، بالإضافة لألغازها الأخرى التي ربما ينتهي التفكير فيها قريبا بعد أن ينسى أمر هذه العيون وتزول من ذاكرة الأبناء بعد أن تزول بقاياها من أرضهم.
 

إضافة تعليق

الاسم
الدولة أو المدينة
البريد الإلكتروني
التعليق

المقالات
حكمة
بلغ السكين العظـم ‏
تواصل معنا
أضف بريدك الإلكتروني
   

الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | الصوتيات | سجل الزوار | اتصل بنا | شبكة العقاري

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القطيف الثقافية 2013-2014