الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | سجل الزوار | اتصل بنا

لكي لا يكون هذا العام كسابقه

 


2009-12-17
عدد القراء: «994»


قَالَ تَعَالى ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ سورة القصص، آية 77.
بعد أيام قليلة نودع عاما ونستقبل آخر، وبين التوديع والاستقبال علينا أن نقف وقفة تأمل وتمعن فيما كان وما ينبغي أن يكون لكي لا يكون عامنا الذي نستقبله كعامنا الذي نودعه فنكون في أحسن الصور من فئة المغبونين كما ورد عن أئمة الهدى (ع).
قال الإمام الصادق (ع): ﴿ مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ وَمَنْ كَانَ آخِرُ يَوْمِهِ شَرَّهُمَا فَهُوَ مَلْعُونٌ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الزِّيَادَةَ فِي نَفْسِهِ كَانَ إِلَى النُّقْصَانِ أَقْرَبَ وَمَنْ كَانَ إِلَى النُّقْصَانِ أَقْرَبَ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْحَيَاةِ ﴾. (1)
وقد حثت الشريعة الإسلامية على الاستزادة في النمو والتقدم في جميع المجالات وفي مختلف الصعد، والاجتهاد ما أمكن إلى ذلك سبيلا، وهذا يعني أن نستثمر طاقاتنا وأوقاتنا بل وكل النعم التي أنعم الله بها علينا كي يكون يومنا أفضل من أمسنا وممهدا لغد أفضل.
قال رسول الله (ص) لأبي ذر الغفاري (رض): ﴿ يَا أَبَا ذَرٍّ اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِيَّاكَ وَ التَّسْوِيفَ بِأَمَلِكَ فَإِنَّكَ بِيَوْمِكَ وَلَسْتَ بِمَا بَعْدَهُ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سُقْمِكَ ﴾. (2)
وبهذه المناسبة يجدر بنا أن نستلهم الرؤى والبصائر من القرآن الكريم كي نتمكن من تجاوز العقبات وتخطي الصعوبات ومواجهة التحديات التي قد تعترض طريقنا نحو حياة مكللة برضوان الله تعالى، وعيش رغيد في الدنيا والآخرة إن شاء الله.
 
أولا: تعلم كيف تستثمر ما في يديك
نعم الله علينا كثيرة وعطاياه وافرة وجزيلة، وهذه النعم وتلك العطايا تمثل السند والمخزون الحقيقي الذي إن تمكنا من استثماره فإننا سنحقق أرباحا وفيرة تنعكس على حياتنا في الدنيا وما بعدها وصولا بالآخرة.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بالسعي في ذلك منوها إلى ضرورة أن تسير هذه العملية بتوازن بين متطلبات العيش في الدنيا، ومحدودية زمان العيش فيها مما يعني أن الجهد الأساس ينبغي أن يتوجه نحو استثمار النعم في الدنيا لنعيم الآخرة مع لحاظ الاستفادة من النعم للعيش الكريم في الحياة الدنيا.
قال تعالى ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ وقد ورد عن أميرالمؤمنين (ع) في قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ قوله: ﴿ لاَ تَنْسَ صِحَّتَكَ وَقُوَّتَكَ وَفَرَاغَكَ وَشَبَابَكَ وَنَشَاطَكَ أَنْ تَطْلُبَ بِهَا الآخِرَةَ ﴾. (3)
ولكي نحقق ذلك لا بد من مراعاة الآتي:
1. المحاسبة
قد يظن البعض أن المحاسبة هي لون من ألوان التقريع واللوم والتوبيخ والعقاب الأليم، وهي وإن كانت تحتمل الصحة بعض الشيء إلا أن حقيقتها ليست كذلك، فحقيقتها استكشاف الخلل والفجوات بين ما حصل بالفعل على أرض الواقع وبين ما ينبغي أن يكون، وهذه العملية لا تكون إلا باستحضار الأحداث ومراجعتها وعدها ومناقشتها.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ سورة الحشر.
ونحن حينما نبتغي (نطلب) في ما آتانا الله الدار الآخرة يتوجب علينا أن نمر على ما آتانا الله ونلاحظ هل استفدنا منها لما يصلح بها أمور دنيانا وآخرتنا؟ أم أن الأمر لم يكن كذلك؟
وبكلمة مختصرة: هل ربحنا في العام المنصرم؟ أم خسرنا؟
ولا يمكن تحديد ذلك إلا بعملية جرد شاملة وهذه العملية هي المحاسبة.

2. العلم
لا يمكن للإنسان أن يوظف النعم التي بين يديه إلا بالعلم، فالجاهل لا يمكن له أن يثمن النعم ويقدرها بالصورة التي يليق بها وبالمكانة التي تستحق، وبالتالي فإن طلب الدار الآخرة والتوازن المنشود مع متطلبات الدنيا لا يمكن أن يكون إلا بالعلم. ولذلك شكل العلم والتعليم محورا أساسيا في رسالات الله ومهمة رئيسية لرسل الله وأنبيائه.
﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ سورة البقرة، آية 15.

3. التطلع نحو الأهداف
لربما ينقص البعض منا الوضوح في الأهداف على المستوى الشخصي أو الأسري أو المجتمعي وخصوصا تلك التي تحدد بفترة زمنية ليست بالقصيرة كعام أو أزيد، وهذا يعيق في الغالب عملية التوظيف السليم إذ كيف يمكن لنا أن نوظف ما بأيدينا من نعم نحو المجهول؟ لذلك فإن هذا الوقت يمكن أن يكون فرصة لنا كي نبدأ هذا العام الجديد وقد رسمنا لنا أهدافا نعمل على تحقيقها طيلة العام القادم إن شاء الله.
وتحديد تفاصيل هذه الأهداف متروك لكل واحد منا وشأنه وتطلعاته، نعم ينبغي أن تصب في مصب الهدف الأعلى والأسمى أي الدار الآخرة، كما أنه من المهم جدا أن تتصف تلك الأهداف بمواصــفات تجعلها قابلة للتحقق من حيث القدرات والإمكانات والزمان. 
ومن المفيد جدا إخبار من حولك وخصوصا الأسرة والأصدقاء الخلص ببعض الأهداف حتى يقفوا إلى جانبك في سبيل تحقيقها، ويزداد الإخبار أهمية إذا كانت الأهداف ذات طابع جمعي كالأهداف الأسرية والشراكاتية وما أشبه.

4. التخطيط
التخطيط الناجح عنصر حيوي وفعال في عملية الارتقاء والتقدم والنمو المتسارع، فبمقدار إحكام الخطة إعدادا وتنفيذا يحصل المعد والمنفذ على نتائج طيبة إن لم تكن بمستوى الإعداد والتنفيذ فلا أقل من الاقتراب منهما، وهذا لا يعني إغفال التوفيق والبعد الغيبي في الإحباط كبروز معوقات غير مرعية أو غير مرتقبة، وكذلك في نجاح ضعيف أو منعدم التخطيط والتنفيذ.
قال تعالى: ﴿ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (124) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) ﴾ سورة آل عمران.
وقال أمير المؤمنين (ع): ﴿ عَرَفْتُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَحَلِّ الْعُقُودِ وَنَقْضِ الْهِمَمِ ﴾. (4)
وروى عمر بن سيف الأزدي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال له: ﴿ لاَ تَدَعْ طَلَبَ الرِّزْقِ مِنْ حِلِّهِ فَإِنَّهُ عَوْنٌ لَكَ عَلَى دِينِكَ وَاعْقِلْ رَاحِلَتَكَ وَتَوَكَّلْ ﴾. (5)


ثانيا: أحسن إلى من حولك
الإحسان ضد الإساءة؛ وهو إيصال المنفعة إلى الغير دون مقابل، وورد أيضا أنها الإتقان، ويمكن الجمع بينهما باعتبار أن الأول من مصاديقه الجلية.
والإحسان أمر ممدوح لدى بني البشر وقد ورد الحث عليه في جميع الشرائع والأديان، وما كان ذلك ليكون إلا لأهميته على المستوى الشخصي حيث أنه ينبأ عن علو النفس ونقاوتها، وعلى المستوى الاجتماعي حيث أنه يؤثر في تمتين النسيج الاجتماعي ويعمل على تكتيل أبناء المجتمع نحو التنمية والنهوض إلى واقع أفضل.
ومساحة الإحسان لا تحد بمكان ولا تقيد بمال أو طريقة بل يمكن للإنسان أن يحسن ولو بالكلمة الطيبة، وكل واحد يسمع ويرى ويلمس مفاعيلها في نفسه وفي غيره.
ومع أن إحسان الله إلى عباده لا يحد ولا يعد إلا أنه سبحانه أمرنا بالإحسان إلى الناس كما أحسن إلينا وكأنه أراد أن يقول لنا أن ثمن إحسانك للآخرين هو إحسان الله إليك، ولعل السبب في ذلك هو رفع القيود ودفع المنة والرفعة التي قد تحصل في نفوس المحسنين، والحرج الذي قد يحصل للمستفيدين من الإحسان.
قال تعالى: ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ سورة القصص، آية 77.


ثالثا: تجنب الفساد
الفساد ضد الإصلاح؛ فهو لا يمكن أن يجتمع واستثمار الإنسان ما أنعم الله عليه، بل هو الداء الذي يحرف مسيرة الإنسان إلى اتجاه مغاير لاتجاه الآخرة خصوصا حينما يكون البحث في مصاديق الفساد ولذا نوه القرآن الكريم على معيارية حب الله وعدمه في تحديد مصداق الفساد.
قال تعالى: ﴿ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ سورة القصص، آية 77.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حديث الجمعة، مسجد الإمام الرضا(ع)، الشيخ محمد حسن الحبيب
(1) العلامة المجلسي، بحار الأنوار؛ ج‏68، ص 173.
(2) وسائل‏الشيعة؛ ج 27، ص 114.‏
(3) العلامة المجلسي، بحار الأنوار؛ ج‏68، ص 177.
(4) نهج‏البلاغة؛ ص 512.
(5) وسائل‏الشيعة؛ ج 17، ص 35..

 

 

إضافة تعليق

الاسم
الدولة أو المدينة
البريد الإلكتروني
التعليق

المقالات
حكمة
تعلم فليس المرء يولد عالمًا ‏ وليس أخو علم كمن هو جاهل ‏
تواصل معنا
أضف بريدك الإلكتروني
   

الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | الصوتيات | سجل الزوار | اتصل بنا | شبكة العقاري

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القطيف الثقافية 2013-2014