الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | سجل الزوار | اتصل بنا

الجَدة مقدسية

 


2009-03-06
عدد القراء: «1041»


ينظر الأحفاد إلى جدتهم مقدسية مستغربين ما يعتري ملامحها من وجوم وتعاسة وشرود لم يألفوه منها رغم معاناتها الطويلة مع عديد من الأمراض وصديقتها المصاحبة لها على الدوام التي تطلق عليها أسم علبة البقلاوة وأحياناً أخرى علبة الماكياج وتقصد بذالك (علبة الأدوية) فقد اعتادوا ضحكاتها ومزحها وبالها الطويل وصدرها الواسع وحضنها الدافئ حيث السباق الليلي فمن سيحظى رأسه بحضن الجدة أولاً عند بدءها بسرد الحكاية .

فالتفوا حولها كالمعتاد في نفس الوقت وأخذا القلق يعتريهم يتبادلوا النظرات في صمت و حيرة لحال الجدة مقدسية الغريب و هي ما تزال غارقة في شرودها, يتجرا أحدهم على البدء بالكلام بصوت خفيف ملؤه العواطف جدة مقدسية خيراً هل اشتد عليك المرض, أتتالمين كثيراً ما بك الن تسردي لنا حكاية هذه الليلية أن كنت تعبة لا بأس ننتظر إلى ليلة الغد فراحتك أولاً .

تخرج الجدة مقدسية عن صمتها وترتسم على ثغرها ابتسامة مرهقة ممتزجة بالعذوبة والرقة, أهلاً يا أحبائي ما بكم وما هذا الهدوء المفاجئ ,قلقنا عليك يا جَدة فنحن لم نعهدك بهذه الحالة قبل الآن لا عليكم فقد كنت شاردة في حكاية الليلة فهي حكاية مؤلمة وكئيبة ومأساوية جداً ولكن قد كبرتم الآن ووسع إدراككم وحان الوقت لكي أسرد لكم الحكاية على أن تعدوني بأن تحفظوها جيداً وأن تستفيدوا من عبرها وتحملوها أمانة في أعناكم وأن تجاهدوا بالغالي والنفيس لإحقاق الحق فهذه الحكاية هي محك لاختبار انتصار جلد الروح والعقل الإنساني بالدفاع عن الأرض و العرض بمواجهة العدوان الشيطاني الظالم المغتصب .

لن أبداء يا أحفادي الحلوين بافتتاح الحكاية بالعبارة المعهودة كان يا ما كان ,بل كان وما زال منذ زمان بعيد جداً في هذه الدنيا الواسعة مدينة رائعة الجمال يعمها السلام و المحبة و الوئام تلفها اللحمة الأخوية والصلات العائلية والنخوة و الحمية مع جيرانها .

وكان يحج إليها الناس من جميع أقطار الدنيا ومن كل الديانات وكل الأعراق .

إلى أن أتى يوم أسود هاجمها غول شرس قبيح الهيئة, له رائحة نتنة خانقة ,يخرج من أنفه دخان أسود كثيف يحجب ضوء الشمس ,تسيل من أنيابه الدماء فتكون على الأرض بحيرات حمراء وقد اكتسب كل هذه الصفات المريعة لأنه يقتات من دماء البشر وسرقة البلاد والعباد ,كان اسمه الغول شؤم .

سئل الأحفاد الجدة مقدسية ولكن يا جدة من أين وكيف أتى ؟
أتى من بعيد ,أما كيف فقد ساعده أصدقاءه ذوي العيون الزرق ,فبعد أن ضاقوا به ومن تطفله عليهم بعدما كثرت زياراته وأخذ يتمركز ويتوسع في بلدهم شيئاً فشيئاً وبداء يجلب أبناءه وينشرهم لديهم وبما أنه ثري جداً جداً وممتلئ بالمال والذهب لم يرغبوا بطرده وأبناءه خشية أن يخسروا الأموال التي تصب في جيوبهم نتيجة لزياراته وتجارته وعمله في بلادهم مما يثريهم فإن طردوه خسروا أمواله وابتلوا بعداوته .

ففكروا بطريقة تخلصهم منه وتبقي على استفادتهم من ثراءه في آن واحد ,وكان لديهم رجل داهية شرير أسمه الغراب بلفور وجد لهم حل جهنمي ,فماذا فعل هذا الغراب الداهية اجتمع مع الغول شؤم وقال له وجدت لك وطن تعيش فيه مع أبناءك توجد مدينة بعيدة من هنا وهي مدينة غاية في الجمال وذات إرث تاريخي عظيم وطبيعتها كأنها قطعة من الجنة فهي مفروشة ببساط أخضر يانع ,بها أنواع لا تحصى من أشجار الفواكه والزيتون وبها أنهار و عيون عذبة جارية وأرض مقدسة مباركة , وقد سبق وأن احتلالنا بعض أراضيها وأراضي جيرانها من قبل ,ولكن مشكلتهم أنهم شعب عنيد متمسك بمبادئ و أخلاق وكرامة وعزة ورؤسهم مرفوعة عالياً ,فيرضوا بالجوع والموت ولا يفرطوا في شبر واحد من أرضهم ,والمشكلة الثانية إنهم وجيرانهم وبني جلدتهم يد واحدة وصف واحد متماسكين متراصين ,وهذا سبب عدم تمكننا من الثبات ومواصلة الاحتلال لهم فتمكنوا من دحرنا رغم ما ذاقوا منا من أصناف الويلات والتنكيل و القتل والتعذيب . قال الغول شؤم ولكن كيف السبيل للاستيلاء على أرضهم وأنتم لم تستطيعوا الثبات لديهم من قبل ؟أجاب الغراب بلفور صحيح إننا لم نستطع الثبات ومواصلة احتلالنا من قبل ولكننا نتعهد لك نحن وأصدقاءنا أن نثبتك على أرضهم إلى الأبد .قال الغول شؤم وكيف الثبات والبقاء الأبدي ,

فأجابه الغراب بلفور لقد درسنا عن قرب نقاط قوتهم وسنعمل معك على إضعاف وأماتت تلك القوة المتمثلة في وحدتهم ونضالهم بشق صفوفهم ,فاغتصب أنت أولاً قلب مدينتهم المقدسة وأعمل على القتل والتنكيل بكل وحشيتك وشردهم وفرقهم ,وسرعان ما يلجوا إلى إخوانها وجيرانهم فهذا من طباعهم كما قلت لك سابقاً فهم يفزعون لبعضهم سريعاً, وما أن تشردهم وتفرقهم أغلق عليهم طرق العودة .

وإبدأ مباشرة بجمع ما تستطيع من أبناءك المنبوذين المغضوب عليهم من شتى بقاع الدنيا, يقاطع الأحفاد الجدة مقدسية ولكن يا جدة من هم أولئك الأبناء؟
فتجيبهم أولئك يا أحبابي قوم الغول شؤم الذين غضب عليهم الله عز وجل فشتتهم في الدنيا الواسعة عقاباً لهم ,فجعلهم بلا وطن ولا أرض ,حسناً يا جدة أكملي فالحكاية غريبة ومثيرة, علقت الجدة بالقول والأهم أنها حقيقية لا تنسوا هذا الواقع أبداً وإلا سأموت بحزني ,نعدك يا جدة إننا لن ننسى رجاءً أكملي حسناً ,وقال له أيضاً أغرهم بالمال وسيقبلوا أن يأتوا لك فاجمعهم ووطنهم في الأراضي التي تسلبها من أهل المدينة المقدسة ثم تستقدم المزيد منهم وتنشرهم في كل بقعة تغتصبها بعد أن تطرد أهلها وتطوقها وهكذا تغرس مخالبك وتثبت هناك وتصبح لديك دولة مستقلة بأعظم عاصمة قدسية .

قاطع الأحفاد الجدة متسائلين وهل ترك أهل المدينة ديارهم ورحلوا وخلفوا وراءهم قراهم وبساتينهم ورزقهم وخرجوا ولم يعودوا ؟
كلا يا أحبابي الصغار لم يتركوا ديارهم بل تشبثوا بها رغم الدماء المهدرة والأرواح المزهقة والبساتين المجروفة ,ورغم الأسر التي تمزقت ونزحت وأمسوا فرادى كل فرد في مكان منهم من بقوا في الداخل محاصرين لا يستطع الأهل رويتهم ولا الاتصال بهم والبعض حلوا ضيوفاً على أخوانهم في الديار المجاورة والبعض هاجر إلى البلاد البعيدة الغريبة ,أوه ..أوه على ما جرى من ماسي تجد الأم في بلد والأولاد في بلد والأب في بلد كلاً بعيد عن الأخر مفرقين ممزقين ,ومنهم من قتل ومن أعتقل ومنهم من لا أثر له مجهول المكان والمصير فالأهل لا يعلموا شيئاً عن مصير بعضهم البعض .تلتقط الجدة مقدسية أنفاسها وتكمل حكايتها والغصة تثقل حنجرتها والحسرة تعتصر فؤادها ,ورغم المدافع الموجهة لصدورهم والقذاف الفاتكة بأطفالهم والبيوت المهدمة على رؤسهم مازالوا صامدين ومقاومين مدافعين عن أرضهم فهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ,كلما هدم العدو دار بنوا آخر كلما أزيلت أو أحرقت خيمة نصبوا غيرها كلما قتلوا أطفال ورضع أنجبن الأمهات المزيد فالجميع يجاهد في سبيل الدفاع عن العرض والتشبث بالأرض متمسكين بالكرامة والعزة رافضين الذل والهوان.

وهم على هذه الحال منذ عشرات السنين ,ولكن يا جدة كل هذا الوقت الطويل ولم يسترجعوا أرضهم إلى الآن لماذا ؟تجيب الجدة مقدسية بصوت مبحوح وغصة خانقة ليس تقصيراً ولا تخاذل منهم لا والله حاشا الأبطال الركوع والاستسلام ,ولكن الغول شؤم كشر عن أنيابه وراح ينهش من جميع الاتجاهات مستعين بالغراب بلفور ولفيف من أصدقاءهم الدول العظمى الطامعين بثروته المجرورين بأذيال ثراءه فساندوه وساعدوه على البقاء في الأرض المغتصبة .

كما وأنه عمل بخطة صديقه النصوح الغراب بلفور فأخذ يبث الفرقة وينصب الفخاخ ويحفر الحفر فيدب الفرقة ويشعل الفتن ويذكي نار البغضاء في ما بين أبناء الدار المغتصبة بعضهم ببعض وبينهم وبين أخوانهم في البلاد المجاورة أيضاً .

وكيف فعل ذالك يا جدة ؟ آوه ...آوه يا أحفادي فقد حصل على مراده عندما عثر على أفراد من ذوي النفوس الضعيفة فأغراهم بالمال حيناً وببعض السلطة حيناً وبالاثنين معظم الأحيان .

كما وعثر أيضاً على بضعة أفراد ممن أنهكتهم الحرب وطول مدت الحصار والجوع والعذاب ,كما وبدأت الآراء الراجحة الثابتة المتصدية إلى النفوس الضعيفة تتخبط بسبب حيرتها لإيجاد سبل لإعادة إخوانهم المساكين الذين غلبهم الفقر والبؤس وقلة الحيلة بعد أن تفرد العدو بهم وعزلهم عن العالم وأطبق على رقاب الجميع إلى جادة الثبات وطريق الكفاح والنضال حتى تحرير الأرض.ولكن يا جدة لماذا احتلوا هذا البلد دون سواه يوجد الكثير من البلدان بنفس الطبيعة وأكثر .

نعم يا صغاري كل بقاع الدنيا لها نفس الطبيعة وأكثر ,ولكن لا توجد مدينة مقدسة مثلها فهي أولى القبلتين ومسرى رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وموطن أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام حيث مدفون ووالداه إسحاق ويعقوب, وفيها مهد نبي الله عيسى أبن مريم عليه السلام, فيا أحبابي لم يقع الاختيار على البلد المقدس صدفة أو اعتباطاً على العكس فقد اختاروا المكان الذي تهفوا له قلوب الناس من كل بقاع الدنيا مسلمين ومسيحيين ويهود, وحتى من لا دين لهم يتشوقون لاستنشاق عبق التاريخ وعراقة الحضارة والرقي البشري ففي هذه الأرض المباركة لم يذكر شيئاً عن إنسان الغاب ولا إنسان العصر الحجري ,إن شاء الله عندما تزول غمة الاحتلال ونعود جميعاً ستشعرون بشعور رائع فالله تبارك وتعالى قد باركها وكرمها وأكرم الإنسان بها.

فتذكروا يا صغاري دائماً وأبداً هذه القصة واجعلوا منها منارة الهدى تنير درب العودة وحصنوا مستقبلكم بعبرها, وأعلموا كما أن خروج الروح من الجسد تعني الموت فإن خروج الجسد من الوطن الموت الأصعب, يعاني المهجر سكرات وعذابات الغربة كل لحظة من حياته ذات المستقبل المجهول بالنسبة له وإلى أجياله القادمة فأنا جدتكم مقدسية مازلت أعاني هذه السكرات ولا أنسى أبداً ما عانت أمي حيفا وأبي جليل فقد فارقوا الحياة وروحهما متحسرة ملتاعة على الدار وما فيها ومن فيها ولم تنال أجسادهما تراب الأرض ليغطيهما ولا أعلم أي تراب احتواهما ولا أي أشخاص وقفوا على دفنهما وهل حظيا بصلاة الميت أم لا ,ويا هل ترى ما الذي سيجري على جدتكم مقدسية أين سيكون مثواها الأخير, الفرج.. الفرج .. الفرج يا رب العالمين.
 

إضافة تعليق

الاسم
الدولة أو المدينة
البريد الإلكتروني
التعليق

المقالات
حكمة
من صبـر ظفـر
تواصل معنا
أضف بريدك الإلكتروني
   

الرئيسية | الأخبار والمقالات | الكُتاب | الصوتيات | سجل الزوار | اتصل بنا | شبكة العقاري

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القطيف الثقافية 2013-2014